حراك الحاضر والمستقبل في منطقتنا العربية، هو لا شك في عالم متشابك ليس حكراً علينا، بل يمتد إلى القوى المؤثرة في مصيرنا.

 

الآن في هذه اللحظة، فإن المساومات والصفقات الغربية تحت وفوق طاولات المفاوضات، توازي في ضجيجها وسخونتها ذلك الصمود الأسطوري لمصراتة الليبية، هي بالتأكيد مساومات على مسار مستقبلنا، بعد موجة التغييرات الجذرية التي تضرب ساحاتنا تباعاً.

 

خبراء عسكريون قدروا أنه منذ بداية التفويض الأممي بقرار حماية المدنيين، حرصت صواريخ «توماهوك» الأميركية على تدمير أهداف عسكرية لنظام العقيد معمر القذافي، أبرزها قواعد وترسانة صواريخ «سكود» الكورية الشمالية، التي تشكل خطراً على محيط ليبيا وربما قواعد غربية في أوروبا.

 

بعدها انسحبت الصواريخ الأميركية من المعركة، وفرض البيت الأبيض حلف «ناتو» على ليبيا والحلفاء على حد سواء.

 

مانعَ البريطانيون والفرنسيون الطامحون لبدء نسج علاقات تحالف مع ليبيا الجديدة ما بعد القذافي، وخصوصاً بعدما خسرت فرنسا نظام حكم زين العابدين في تونس، مانعوا وانتقدوا أداء الحلف الذي هو أصلاً محكوم بقرارات الدول من أعضائه.

 

وبالفعل ساعد تواضع أداء الحلف العسكري الذي غلب كفة قوة كتائب القذافي قبل نحو أسبوعين، على ارتفاع الأصوات المنادية بعودة التحالف الأول (أميركا وبريطانيا وفرنسا إضافة لدول أخرى) بدل «ناتو». لكن واشنطن لم تلق بالاً، وقالت لأوروبا بقليل من المواربة: لا مجال لك للتغريد خارج سرب الناتو.

 

والحق أنها المرة الثالثة التي تذعن فيها أوروبا للحلف الأطلسي: إبان حرب يوغسلافيا، ومن بعدها أفغانستان، والآن حرب القذافي.

لا يوجد في ليبيا كنز نفطي يوازي العراق.

 

ولا طرابلس على خط سير حزام الطاقة الذي وضع ديك تشيني مخطط السيطرة عليه لمئة عام مقبلة، وبالتالي لا مانع من استخدام أداة أقل كلفة اقتصادية على جيوب العم سام، وتظل هذه الأداة سقف التطور العسكري الأوروبي. ولا يهم سقوط المزيد من أطفال مصراتة.

 

هل هي إمبريالية أطلسية؟ نعم بالتأكيد هي كذلك، لكن إلى جانبها تنمو ومن دون ضجة، إمبريالية جديدة: هي الإمبريالية الروسية.

 

كانت روسيا في الحقبة السوفييتية ترفع لواء دعم الشعوب للتحرر من الإمبريالية الأميركية، غير أن روسيا الآن باتت تحاكي السياسة الخارجية لخصوم الأمس: التزاحم من أجل تحقيق مصلحتها الذاتية، ولو على حساب مصالح المستضعفين.

 

لا تفسير للسياسة الروسية الحالية في المنطقة، سوى كلمة الإمبريالية بمفهومها الآنف:

 

محاولة موسكو منع ضرب القذافي رغم مشاهد دماء ضحاياه على الشاشات، الإصرار على التسليح التفجيري لمفاعل بوشهر النووي الإيراني، معاندة تطلعات وطموح الشعوب العربية في تونس ومصر للديمقراطية، ودعم أخرى مشهورة بشمولية نظمها السياسية..

 

كل ذلك للتشويش ومحاولة إيجاد موطئ قدم في قلب العالم الشرق أوسطي.

إذاً، في خضم صراع خفي بين إمبريالية أطلسية.

 

وأخرى روسية مدعومة على استحياء من الصين، يرتسم مستقبل الصراع على منطقتنا، وهو ما يضع مسؤولية إضافية على قوى مجتمعاتنا الهادرة بالتغيير، للانتباه إلى أن حركة الشارع العربي ليست محكومة فقط بالنزاع الداخلي،.

 

بل عليها الانتباه للقوى الخارجية، والمسارعة إلى وضع استراتيجيات لصياغة تحالفات وشراكات مع القوى الخارجية، تصب في مصلحة برامجها الداخلية، لا العكس، كما كان سائداً في الحقبة السابقة.