وسط انشغال العالم العربي بالتطورات التي تشهدها الدول التي عرفت طريقها إلى الثورة، وفتحت أبوابها لكل القوى المشاركة في صناعة المستقبل، وتلك التي تمر بعاصفة نارية، قوامها الحرب الأهلية أو بوادرها، تتحرك إسرائيل على أكثر من صعيد.
هناك أولاً الجهود الإسرائيلية المحمومة، التي تطرق تل أبيب في إطارها كل الأبواب، وفي مقدمتها أبواب واشنطن، لتنسيق جهود الدوائر الغربية المعنية، وقطع الطريق على القوى الديمقراطية في عالمنا العربي، لأنها تعرف أنها إذا كانت قد وجدت السبل للتعاون مع الطغاة، فإن القوى الديمقراطية العربية، لابد لها من أن ترفض كياناً عنصرياً في جوهره وعدوانياً في ممارساته. وهناك أيضاً الاعتداءات الوحشية التي تواصلها إسرائيل، والتي تجد أحدث أشكالها في الاعتداءات المتكررة على قطاع غزة، فيما يقف العالم موقف المتفرج من الدم الفلسطيني، الذي يتواصل سفكه كل يوم.
وفي الوقت الراهن تعيد إسرائيل بناء استراتيجية متكاملة، تسعى في إطارها إلى وضع سيناريوهات تمر بمواجهات محتملة مع مصر، وهي تسارع إلى حشد القدرات العسكرية التي تكفل وضع الاستراتيجية المنتظرة موضع التطبيق. غير أن هناك ميداناً آخر بالغ الخطورة تتحرك فيه إسرائيل، من دون أن ينتبه أحد في العالم العربي إلى مدى النتائج الخطرة التي يمكن أن تترب على هذا التحرك، وهو الميدان النفطي.
لقد سبق لنا أن لفتنا الأنظار إلى السرعة التي تتحرك بها إسرائيل لاستغلال الحقل النفطي الذي أطلقت عليه الاسم الدال «لوفايثان» أي «الوحش»، وكيف أن أحداً في العالم العربي لم يحرك ساكناً لمواجهة هذا الاعتداء الجديد على الحقوق العربية، حيث إن الحقل يقع في المياه اللبنانية، إلا حزب الله.
وهذا التحرك المحموم مصدره أن إمدادات الطاقة كانت تشكل نقطة ضعف في إسرائيل خلال كل حروبها، وليس سراً أن إسرائيل في حربها الأخيرة مع حزب الله أوشكت كل احتياطياتها النفطية على النفاد، حيث إنها تستورد النفط من خارج المنطقة، وعلى وجه التحديد من روسيا. اليوم تستأنف إسرائيل هذا التحرك المحموم، وفي ضوء هذا التحرك تعلن صحيفة «وول ستريت جورنال» أن إسرائيل في سبيلها إلى أن تصبح عملاقاً نفطياً، في مستقبل ليس بالبعيد، وذلك في تقرير موجز استقطب اهتمام الدوائر العالمية المعنية، التي من المؤسف أنها لا تضم أحداً من العالم العربي.
أصل الحكاية أن مجلس الطاقة العالمي أعلن مؤخراً أن الصخر النفطي المتوافر لإسرائيل يمكن، باستخدام التقنيات المناسبة، أن يعطي ما يقدر بنحو 250 مليار برميل من النفط. هنا، على الفور، لابد لنا من الاهتمام بأمرين يترجمان في سؤالين محددين، وهما أين توجد إرسابات هذا الصخر النفطي؟
والإجابة عن هذا السؤال الأول هي: على بعد ثلاثين ميلاً إلى الجنوب الغربي من القدس.
السؤال الثاني هو: ما هو تقدير الخبراء لهذا الصخر النفطي؟
الإجابة هنا أيضاً بسيطة، فالمرء لا يحتاج إلى الخبراء، ذلك أنه لأغراض المقارنة يكفي أن تتذكر أن إجمالي الاحتياطي السعودي المؤكد من النفط هو 260 مليار برميل، والولايات المتحدة تستهلك سبعة مليارات برميل من النفط سنوياً.
ربما كان هناك من يبادر إلى القول إن الصخر النفطي يواجه صعوبات معقدة تقنياً، قبل أن يتحول إلى نفط فعلي، ثم إن كلفة إنتاجه مرتفعة، بما يجعل هذا الإنتاج جهداً غير اقتصادي، بمجرد انخفاض سعر النفط. هذا كله مفهوم ومعروف لدى كل من لديه اهتمام حقيقي بالنفط، ولكن علينا ألا ننسى أن في إسرائيل اليوم ما يعرف بـ«مبادرات إسرائيل للطاقة» وهي شركة حديثة الإنشاء في القدس تشكل الجزء الكافي من جبل الجليد الإسرائيلي، الذي يشكل جهداً إسرائيلياً محموماً لتحويل الكيان الصهيوني إلى عملاق نفطي. إن الجبهة النفطية هي جبهة صراع مع إسرائيل ظلت منسية طويلاً من قبل العرب، وقد آن الأوان لتحرك عربي نشط عليها في مواجهة الجهود الصهيونية. فمن ينال شرف البداية بهذا التحرك؟