كانت إشارة وامضة تلك التي قالها فيلسوف الإغريق الأول وهو يتحدث موجها كلامه لتلميذ من تلاميذه قائلاً له: إنك يا بُني لن تخوض النهر مرتين.
والقصد أن النهر في تحوّل دائم، ومياهه جارية، واعتقادك بأنه ذات النهر وهم لا علاقة له بالحقيقة. فالحقيقة أن النهر الذي تخوضه الآن لن يكون هو ذاته بعد قليل.
ذات الاستنتاج ذهب إليه الإمام الشافعي وهو ينشد قائلاً:
إني رأيت وقوف الماء يفسده * إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب
وما قاله سقراط وبعده الشافعي، تأكيد على قانون التحول الدائم في الظواهر المختلفة، وإشارة إلى أهمية أن يفهم الإنسان التحوّل بوصفه سياقاً جبرياً للحقائق، وبالتالي كان استيعاب وتمثُل هذا التحول بمثابة اتساق مع قوانين الطبيعة والتاريخ معاً.
في أُفق آخر، حاول فلاسفة الجدل المادي استنباط قوانين التاريخ من الطبيعة، فقرروا أن «التراكم الكمّي يؤدي إلى تحوّل نوعي»، ولاحظوا أن هذا القانون يسري على المجتمعات البشرية التي تتعرّض لتحولات ومتغيرات دائمة، ذروتها الثورات والحروب واستتباعاتهما.
نتحدث اليوم عن التغيير في العالم العربي، ونرى أن فرقاء السلطة والمعارضة يتفقون نظرياً على أهمية وضرورة التغيير، لكنهم يختلفون في الكيفية والوسائل، وهذا شاهد على أن قانون التغيير قانون موضوعي يتّصل بدهاء التاريخ وحكمته، ولهذا السبب لا يجزع العلامة ابن خلدون إزاء مثل هذه الظواهر، بل يعتبرها ضرورية، بل جبراً لا مفر منه. وعند كارل ماركس أن التغيير حتمية تاريخية تنقل المجتمعات من حال لحال، بل إن ماركس يجترح ما يسميه علم التشكيلات الاقتصادية الاجتماعية للمجتمعات البشرية، المجير على التاريخ، مقرراً أن التحوّل أصل أصيل في هذه المجتمعات.
ما يجري في العالم العربي ترجمة مؤكدة لهذه الحقيقة الأزلية، فمن استوعبها وتمثّلها كان رشيداً مُتّسقاً مع قوانين الطبيعة والتاريخ، ومن تأبّى زاغ عن الحق وسقط في وهدة المغالبة المستحيلة لقوانين التاريخ، كما فعل القذافي، على سبيل المثال لا الحصر.
منذ الجاهلية الأولى لم يكن العرب خارج حكمة التاريخ، والشاهد أن الشاعر الجاهلي الأشهر امرأ القيس، لاحظ قانون الحركة، وقدّم صورة مشهدية بصرية تعبر عن جدلية الحراك حتى فيما يتمرأى بوصفه ثابتاً، يقول:
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقبل مُدبر معاً * كجلمود صخر حطّه السيل مِن علِ
وفي هذه اللطيفة الشعرية، يقول لنا إن ما نراه جماعاً لهذه الأوصاف التي تبدو في حالة الثبات، إنما يشي بحراك مطلق، تماماً كمروحة الطائرة، التي إذا ما تحركت خبت وتلاشت، وبدت جرماً لطيفاً لا صورة له.
هذه الحقيقة الطبيعية، لا تسري في الزمان والمكان فقط، بل هي صفة الدهر الذي يعجن الزمان والمكان والكائنات والأفلاك، في منظومة واحدة، تتسق جبراً مع ناموس الكون.
وهذا يجعلنا نرى بعين اليقين، أن المتغير الذي تشهده الساحة العربية، إنما هو ترجمان لقوانين التاريخ والطبيعة. والفرق بين الترجمة والترجمان، أن الترجمة مجاورة، والترجمان تمثُّل، وفي المستويين جدل تواصل وتفاصل، نراه في تضاعيف الحالة الانقلابية العربية، التي تستحق وقفة تأمل واستيعاب.