شهران لا غيرهما بقيا على احتفال برنارد لويس بعيد ميلاده الخامس والتسعين، ونحن لا نشير إلى هذا هنا لنهنىء الرجل بعيد ميلاده المقبل، فهو لم يصنع شيئاً على امتداد العقود الطويلة الماضية، إلا معاداة الإسلام والمسلمين، مع جرعة إضافية من العداء للعرب منهم بخاصة، وإنما لنحذر من أن ما راكمه لويس من تضليل وتلفيق ومحاولة للإيقاع بالمسلمين لم يتوقف، منذ كان في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية التابعة لجامعة لندن، وحتى انتقاله إلى جامعة برستون الأميركية في ‬1974، وصولاً إلى تحوله مستشاراً في شؤون الشرق الأوسط في إدارة بوش الابن وحتى اليوم.

مثلما تحلق الخفافيش مع إقبال الليل، لتوغل في امتصاص الدم، أطل لويس عبر حوار مطول أجرته معه أخيراً، صحيفة «وول ستريت جورنال». فما الذي قاله؟

كما يمكننا أن نتوقع، فقد استهل هذا الصهيوني العتيد، الذي يعد أحد أبرز أعمدة مدرسة برنستون الصهيونية الشهيرة، الحوار بمعزوفته الكئيبة عن أن الشعوب الإسلامية لا تتواءم مع الديمقراطية، ولا الانتخابات، ولا الحكومات البرلمانية التمثيلية، وإنها اذا مضت على درب الانتخابات الحرة، فإن مصيرها لن يكون أفضل من مصير الألمان الذين جاؤوا بالحزب النازي، وبهتلر عبر صناديق الانتخابات.

هذه المعزوفة الاستهلالية من لويس سرعان ما تفسح المجال للمزيد من الضجيج.

الرجل يرى أن تونس لديها رصيد حقيقي يتيح لها الفرصة لتحقيق الديمقراطية.

ولكن لماذا؟ هل من أجل تضحيات شعبها؟ هل من أجل عذاباته التي امتدت طويلاً؟ هل من أجل حرصه على ألا يقع مستقبله تحت ظلال دكتاتور آخر؟ هل من أجل التربية السياسية لشبابه؟

لا شيء من هذا كله، فبرنارد لويس يرى أن فرصة تحقيق الديمقراطية في تونس تعود إلى متغير واحد، هو دور المرأة فيها، وهو يقول إن المرأة هي التي ستصنع الديمقراطية هناك، وليس الشعب بأسره وبأمه وأبيه وعبر نضالاته وكفاحه.

غير أن معزوفة برنارد لويس الكئيبة ترتفع إلى قمة النشاز في تناوله البلد الذي طالما منحه أكبر قدر من عدائه، على امتداد عقود طويلة، أي مصر.

ابتداء هو يرى أن «حالة» مصر أكثر تعقيداً من أي حالة أخرى، وهو يحرص على أن يلفت نظرنا إلى أن شباب ثورة يناير قد تمت تنحيتهم جانباً بفعل ما يسميه «مجمع العسكر ــ الإخوان المسلمين»، وهو يبادر بقراءة في كف مصر، يقول من خلالها إنها ستجد نفسها في موقف بالغ الخطورة عما قريب.

لماذا أيها البروفسور؟

إنه يبادر إلى تحذيرنا من أن النموذج الهتلري هو ما ستسفر عنه الانتخابات المصرية المقبلة؟

لكن ألا ترى معي أن ما يقوله الرجل أقرب إلى التفكير بالتمني منه إلى تحليل مؤرخ عتيد؟

مطر، بالطبع، لن تكون هي الوحيدة التي يطاردها برنارد لويس بضجيجه، فلابد له من أن يمنح تركيا نصيبا من السم الزعاف، ولعلنا لا ننسى أنه كان أول باحث غربي يفلح في عام ‬1950 في شق طريقه إلى كنوز الأرشيف العثماني، التي حولها إلى مواد لدس السم في العسل عبر كتبه المعروفة.

إنه يرفع الصوت بالنعيب والنعيق، محذراً الغرب مما يسميه انجراف تركيا نحو إعادة الأسلمة، وهو يدعو الغرب إلى التصدي لمسار تركيا الراهن، حتى ولو ذهب في هذا التصدي إلى الحدود القصوى.

لكن أيا كان ما تحمله الخفافيش معها من نذر الشر، وهي تنطلق نحو أفق الظلام، فإن الفجر يحمل معه دوماً نوره الذي يعيد الخفافيش إلى كهوفها المعتمة.