في فرجة أولى.. تسطع الشاشة فننبهر، ونستمر بالتصفيق كعادتنا، لا نسمع سوى ضجيج أكفنا. ولأن الفتى منّا فنحن معه، نتمثل ما «يفنتزه» علينا، وتكفينا «بحّة» في حوض غسل الأفكار عندما يخرج لنا فيلم «اسمي خان» من رحم خطاب سينمائي هندي اعتاد الابتذال، ليشكل مغايرة.

ضربة أولى وقاضية لاستلاب الأعين، ويشرع الفيلم في حقن خطاب تخفيه «فلاتر» عاطفة يحلق لها القلب بفرح، ليكون مصرع الطائر مدمياً. حب بين مسلم مصاب بالتوحد، وهندوسية جميلة مطلقة وأم لطفل، مقنعان وهما ينتصران بزواجهما للجوهر على المظهر. وعلى سرير زوجية يجمع دينين مختلفين بحب نادر، يستيقظان على ما يعكر صفوهما؛ البرجان ينهاران في ‬11 سبتمبر!

تتحول حياة مسلمي أميركا إلى جحيم.. ومعهم «خان» وزوجته «مانديرا» وابنها «سام» الذي حمل اسم خان المسلم، لتقتله عنصرية زملائه في المدرسة. وفي فورة غضب تطلب مانديرا من خان أن يرحل.. «اذهب وأخبر أميركا كلها أنك لست إرهابيا.. وحتى الرئيس الأميركي». وفي انصياع حرفي يبدأ خان رحلته ليقول للرئيس «اسمي خان، ولست إرهابياً». أغمض عينيّ، أتعبهما الإبهار، تطفو إلى ذاكرتي قصة شعبية نسيت أين قرأتها. سلطان يخرج للصيد مستأمنا كلبه الكهل على حراسة ابنته المدللة. ووفاء من الكلب يتسمّر عند سريرها، تستيقظ ليلا خائفة بوحدتها، وعندما ترى وجهه البشع بأسنانه المخيفة، يأخذها الفزع، فيفر الكلب خوفاً من سيده.

يعود السلطان، فيأمر كل كلابه أن تجوب المعمورة بحثاً عن الكلب. ومنذ ذلك الحين، كلما التقى كلبان يكشران عن أسنانهما ليقولا: «لست أنا الكلب الذي أرهب بنت السلطان». تعتم الشاشة فتضيء الأسئلة.. هل حقاً يدافع الفيلم عن المسلمين ضد عنصرية كشرت عن أنيابها في وجوههم بعد ‬11 سبتمبر؟ أم أنه يستميلهم للخروج جميعاً في رحلة غفران، والاستمرار في إثبات أنهم ليسوا «كلب السلطان»، «لقد وعدتك أن أقابل الرئيس الأميركي، وسأستمر في المحاولة..»؟

وهل رسم الفيلم صورة موضوعية لكل من الإرهاب والعنصرية؟ إذن، لماذا تفوّقت مشاهد الاتهامية للمسلمين عدّة وحدّة؟ ولا أنوي هنا تفكيك الفيلم سيميوطيقيا «علم تفتيت العلامات، للقبض على الدلالات»، فذلك يطول. وربما تحقق السيميوطيقيا ظفراً للبعض، من ضرب أن كلمات الحب والسلام الأكثر انتشاراً في الفيلم، وهذا هدفه الأساس، ولكن لماذا على الحب أن يكون دائما من طرف واحد، «بإمكاني الكتابة ملايين المرات على آلاف الأوراق أحبك يا مانديرا، ولكني لم أتمكن من التعبير عن حبي ولهذا أنت غاضبة مني»؟ لماذا جميع قتلى الفيلم من غير المسلمين.. «سام» قتل لأنه يحمل اسم «خان» المسلم ولكنه هندوسي، صديق العائلة الإعلامي الأميركي ذهب إلى أفغانستان وعاد في كفن، ابن الأم «جيني» وزملاؤه قتلوا في العراق؟ لم يقل الفيلم أن آلاف الأفغان والعراقيين المدنيين يقتلون! القتلى المسلمون في فلسطين نسمع عنهم ولا نشاهدهم، لا في أكفان ولا في دموع أمهات، نسمع عنهم فقط على لسان إرهابي، في تكريس فاضح لشطب الحدود مع المقاومة المشروعة.

لماذا كان على «خان» أن يدفع حتى ثمن موت سام، ومن قتلوه هم من الأطفال، كما أتى بهم الفيلم، ليسهل تسامح المشاهد معهم. لماذا يكتفي العنصريون بالاعتذار لنقبلهم، وعلينا أن نستغفر؟ لأننا، حسب الفيلم، مثل «خان» مصابون بتوحد اسبرجر.. «الأشخاص في مثل حالتي ليس بمقدورهم التعبير للآخرين عن مشاعرهم». علة في علاقتنا بالآخر، وعلينا معالجتها. ألم يكن خان مصاباً بمرض آخر؟ وأقصد ما تحدث عنه إدوارد سعيد حول «جرح نرجسي» في علاقتنا مع ذواتنا، يكرس لتشوه في علاقتنا مع الآخر؟ ولنا أن نسأل كذلك، هل ستكتفي التغييرات العربية الحالية بتفكيك الأنظمة، أم نطمح لكنس ما رسبته الأنظمة من خطابات تدميرية في عقلنا الجمعي؟!

 

منير الطيراوي