كثيراً ما احتار علماء التاريخ في قوانينه الموضوعية التي تتأبّى على التوقُّع والتحليل.. يشترك في الأمر الجميع، ومنهم ابن خلدون الذي قرأ التاريخ قراءة جبرية تتصل بما يُسميه «أعمار الدول». فابن خلدون يُشبّه أعمار الدول بأعمار البشر، ويرى بعين اليقين أن كل دولة شريرة تؤول إلى دولة ظالمة لنفسها وشعبها، وأنه بهذا المُقتضى الجبري من الانحدار، تسمح لأكثر الناس تعصباً وجهلاً بأن ينالوا منها، ليدخلوا المجتمع في دوامة جديدة من الانعطافات التراجيدية.

يستخدم ابن خلدون مصطلحات وتعبيرات مُغايرة شكلاً لمصطلحات اليوم، لكن مقارباته اللماحة تتّصل جوهراً بفكرته القائلة إن الدولة المتكلسة بالفساد، تشيخ وتهرم وينخرها الوهن، فتنهار حتماً، لتفسح الطريق لدولة فتيّة تنبع من قوة العصبية وجرأتها ومغامرتها، وقدرتها على الذهاب بعيداً في مآربها.. ناظرة إلى «المُلك»، حتى وإن حملت شعارات تدعو للتغيير.

قال امرؤ القيس وهو في درب رحلته للاستنجاد بقيصر الروم ضد خصومه العرب، وكأنه يذكرنا بحال العرب اليوم!:

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه

وأيقن أنا لاحقان بقيصرا

فقلت له لا تبك ويحك إنما

نُحاول مُلكاً أو نموت فنعذرا

ذلك هو لسان حال العصبية التوّاقة إلى الدولة بوصفها مُلكاً، ولا يبرئ ابن خلدون أحداً من هذه النزعة، سواء الدولة المنهارة أو التالية لها. وفي تقديري أن هذا الاستنتاج الخلدوني التراجيدي، ينطبق على الدولة التاريخية العربية، وما زالت جذوته مستعرة إلى يومنا هذا.

نظرات ابن خلدون تجاه قوانين التاريخ ومآلات الدول، بحاجة إلى مزيد من المتابعة الموازية لما نلاحظه مع ما حدث ويحدث في بلدان العرب الحائرة، فأحداث تونس أومأت ضمناً إلى ذلك المنطق المُتجهم للنظام المندثر. كيف أن نظام زين العابدين بن على مازج قسراً بين شكليات العصر ومنطق الحاكمية المقرونة بالمُلك، واستباحة المال العام، بل كرس نمطاً بطرياركياً حد الاستدعاء الغرائبي للتقاليد الفولكلورية التاريخية؟! وأذكر شخصياً أنني فوجئت قبل أكثر من عقد من الزمان، وأنا في رومانيا أستمع إلى الإذاعات العربية المتاحة عبر الموجة القصيرة، فاستمعت صباحاً إلى النشرة الصباحية الإذاعية من تونس، وكانت المفاجأة أن أول خبر تفصيلي كان عن صباحية الرئيس، واصفاً توقيت صحوه من النوم، ومزاولته الرياضة نوع إفطاره.. وكان الخبر يبدو بمثابة إشعار بأن ولي الأمر في صحة جيدة، وأنه النموذج الفاضل للمواطن الصالح! ولم أكن لأصدق ما سمعت، لولا أنني سمعته بأذني وأنا في كامل صفائي العقلي.

هذه الفادحة المسيّجة بالمُخاتلة، تكشف مدى إقامة النظام العربي في نموذج الحاكمية البطرياركية المتأبّية على الحقيقة الموضوعية، مما يظهر درجة انكشاف هذا النظام على التحولات العاصفة، جراء التدمير المُنظّم للطبقة الوسطى، والتخلي عن واجبات الدولة المركزية في رعاية وحماية مواطنيها، وتبرير ما لا يمكن تبريره، وصولاً إلى عسكرة الحياة، وصرف المليارات لحماية النظام من مواطنيه، وتسييج لصوص المال وناهبي الأراضي، بمصدّات وأسوار تحميهم من القانون والنظام.

ما حدث في تونس أسقط ورقة التوت من عورة النظام العربي الرافض للتغيير والإصلاح، ووضع النخب السياسية أمام مسؤوليتها، بعد أن تجاوزتها الجماهير لتقول كلمتها المسطورة على الأرض، ولتؤذن بفراغ سياسي يصعب ردمه، إذا تداعت الأمور في اتجاه الفتنة لا سمح الله.