قلة محدودة من قادة الرأي في عالمنا العربي هي التي إذا تحدثت استمع إليها الناس، وأمضوا التفكير فيما تقول، قبل أن يقرروا عند أي منعطف يضعهم هذا الذي سمعوه، وإلى أين يمضون من هذا المنعطف. وإلى هذه القلة ينتمي، بامتياز، الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، ولست أدري كم من المرّات أعدت قراءة ردوده على أسئلة الشباب في الحوار الذي أداره الفنان عمرو واكد على فضائية «أون تي في»، كما أوردتها صحف عدة، وهي ردود من المؤكد أنها أثارت جدلاً محتدماً، وخاصة ذلك الشق من حديثه عن التاريخ الوظيفي والسياسي للمرشحين لرئاسة الجمهورية في مصر عمرو موسى ومحمد البرادعي.
لكنني أحسب أن أعداداً أكبر ممن يعنيهم هذا الحوار، قد توقّفوا عند قول هيكل إنه في ما يتعلق بالخوف على مستقبل مصر، فإنه لا يخاف إلا من الخوف.
والعبارة بليغة بالقطع، وهي مستقاة من أدبيات الحياة السياسية الأميركية، ولا تقل عنها بلاغة إشارة هيكل إلى أن من انطلقوا في مسيرة الثورة هم كمن حطّموا الباب، وبعد ذلك تجمّدوا في رهبة أمام ما رأوه.
لكن الإقرار بوجود رياح خوف تهب عاتية، لا يعني القبول بالتجمّد أو العجز عن الحركة، وإنما يعني ضرورة التدبّر أمام حقائق ووقائع لا مجال لإنكارها، ومن الحتمي الإعداد للحظة مواجهة وصدام من المُحَقَّقْ أنها آتية.
الكثيرون على أرض مصر، وامتداداً في عالمنا العربي الكبير، يخشون أن تأتي تلك اللحظة التي تشكل امتداداً لما شهدته مصر في مارس 1954، والتي تحمل معها محاذير أن يجد المصريون أنفسهم، مرة أخرى، أمام 62 عاماً من الحكم العسكري باختلاف تجلّياته وتوجهاته.
وغير بعيد عن هذا التخوّف ما يدور حول خشية تصور قوى سياسية بعينها أن بمقدورها أن تخطف ثورة الخامس والعشرين من يناير وتركض بها نحو مستقبل تنفرد فيه هذه القوى بكل شيء، وتصنع الغد وحدها وبمواصفاتها، تحت شعار «السلف كانوا يقولون بيننا وبينكم الجنائز، ونحن نقول بيننا وبينكم الصناديق».
ورياح الخوف الرمادية التي تهب هذه الأيام تحمل معها شبح خطر أن تجد مصر نفسها بين إسرائيل، التي تعيد هيكلة استراتيجيتها اليوم استعداداً لمواجهة مصر أخرى مختلفة غير تلك التي قبلت بالسلام البارد وبالتوقيع على كل الأوراق التي تقدمها واشنطن، وبين ليبيا نظام القذافي أو امتداد لهذا النظام، إذا لم تقطع الثورة الليبية الشوط كاملاً في مسارها.
غير أن التخوّف الأكبر يدور حول إمكانية أن تظل قوى وأطرافاً من النظام السابق حاضرة تلقي بظلالها على الحياة العامة في مصر، في أشكال شتى، رأينا بعضها ولا يزال هناك الكثير في الجراب، ابتداء من الفوضى والتخريب والتآمر والتلاعب بمقومات الحياة الاقتصادية والمالية بأوسع المعاني، وليس انتهاء بالثورة المضادة في صورتها الشاملة.
الآن، وقد سردنا جانباً من هذه المخاوف التي تهب على مصر، كرياح رمادية تحمل معها الوعيد لكل ما هو أخضر ونابض بالأمل على أرضها، فلا بد من الحديث عن الوجه الآخر، الوجه المتعلق بإرادة شعب يدرك خطورة التحديات، لكنه يدرك أيضاً قدرته على التصدّي لها.. يدرك عزمه على أن يمضي في المواجهة بلا حدود، لأنه لا يملك ترف التراجع، ولا رفاهية الانكسار، ولا أنصاف الحلول.
إن شعباً يدرك أن أربعين في المئة من أبنائه يعيشون تحت خط الفقر، وأن الغالبية الكاسحة من شبابه لا أمل في المستقبل إلا بإعادة البناء والنهوض بمصر أخرى، تقوم على العَرَق والتضحية، قادر على أن يواجه رياح الخوف، وأن يمضي باقتدار وجسارة نحو الغد الذي اختاره.
كامل يوسف حسين