بعدما استقبلت ساحات عربية بجهوزية القهر والفاقة، شرارات حريق البوعزيزي، سارت حركة الشوارع نحو التغيير، أيا كانت وجهته، لكنها في المحصلة حركة جماهيرية خالصة ومخلصة لهمومها وشعاراتها المطلبية.

طبعا هناك دوما، من احترف النهج «التشرشلي»، حين كان رئيس وزراء بريطانيا تشرشل بسيجاره الشهير، يتوعد بالقتال ضد هتلر حتى آخر جندي فرنسي!

في البحرين، وبعد دقائق فقط من التحرك المطلبي، تحول الشعار إلى تهديد صريح بالفتنة الطائفية، ولأن الأمن هو الغريزة الأولى لدى بني البشر عموما، فقد هذا التحرك شرعيته، فالمواطن حين يخير بين فقدان الأمن والوظيفة، سيختار غريزيا بالطبع أن يخرج من بيته آمنا على حياته وأطفاله.

طبعا، تعودنا على البعض، أن يغلبوا الشعار الطائفي على قوميتهم وانتمائهم العروبي، بشكل يشف تماما عن ضرورة العودة مجددا إلى سؤال الولاء.

هنا لا نفع من العودة إلى سؤال الأصول والمنابت، في عالم متحرك الحدود والألوان، وغدا قرية كونية، لا تعترف إلا بالإنجازات والقوة الاقتصادية والعسكرية والثقافية، ما يهم فقط هو الآن. عندما يصل مهاجر ما إلى نهاية طريق طويل للحصول على الجنسية الأميركية، فإنه يدشن حياته الجديدة بحسم مسألة الولاء والقسم بالإخلاص لدولته وأمته الجديدة، ولو سألته مباشرة بعدها ما جنسيتك لأجاب بفخر: أنا أميركي.

هو يتذكر ملايين المهاجرين إلى هذه القارة، الذين تركوا بلدانهم وانتماءاتهم العرقية والدينية، وبنوا أقوى دولة على وجه الأرض. لم يحملوا أمراضهم وتناقضاتهم الأصلية إلى وطنهم الجديد، بل حملوا أحلامهم وطموحاتهم بحياة جديدة لا تمت إلى معاناتهم السابقة.

هنا بالضبط، كما هو معتاد، يجب حسم مسألة الولاء، وبكل وضوح، ليتحدد المفهوم الصلب لحقيقة المواطنة في معظم أقطارنا العربية.

هذا أيضا يتطلب وضع حد لمن ارتضى الولاء لغير قوميته ووطنه، هو في عرف كل القوانين خارج عن الإجماع الوطني، وفوق كل هذا يجب ردعه عن ممارسة الوصاية على آخرين بحجة الطائفية المشتركة. وهناك البعض الآخر، عاد لممارسة ذات اللعبة القديمة المشار إليها آنفا بـ«التشرشلية».

يا سادة، منذ تحرك العربي للمطالبة بعيش كريم، تنفست فلسطين الصعداء أنها لم تكن وقودا أو قميص عثمان أو ملجأ للبعض، يستخدم للهروب من مواجهة القضايا الداخلية في قطر ما. لم نر أي يافطة في الشوارع العربية تدعو لتحرير فلسطين مثلا والأندلس، فقط هم أناس يطالبون بحقوق المواطنة. هذا حسن، بغض النظر عن مباعثه وأهدافه المباشرة والخفية والتوقعات بغده، لكن أن يحاول البعض مرة أخرى حرف هذا الأمر عن مساره، والسعي لتصدير الأزمات الداخلية للخارج متشبثة بالشعار القديم، فهو لأمر محزن حقا وعجيب، لأن من بدهيات علم السياسة أن الزمن لا يعود إلى الوراء، وما كان مهيأ من ظروف انتفى واختفى وبرز جديد جبّه تماما.

فلسطين تريد أشقاء عربا أقوياء بوضعهم الداخلي المحكم، غير المبعثر أو المطرز بالكثير من الثقوب والفراغات الداخلية.. فلسطين تستطيع الصبر ومواصلة النضال من أجل التحرر، لكنها لن تقبل بعد الآن أن تكون فقط مجال تفريغ لأزمات، ومبررات بقاء لدى بعض الأنظمة والجهات.