«جامان» هي كلمة يابانية، يكاد يكون من المستحيل ترجمتها على وجه التقريب، ولكنها تعكس بأوسع المعاني مفهوماً يعني الهدوء، الصبر، رباطة الجأش، في مواجهة أحداث معاكسة لا مجال لسيطرة المرء عليها.
وهذه الكلمة تلخص بدقة شديدة العقلية اليابانية، التي هي النتاج المباشر للجغرافيا والتاريخ، في بلد تميّزت شخصيته الوطنية بأنها انغرست فيها عميقة منذ ألوف السنين دورة الدمار والتجديد.
ولست أريد أن أقدم هنا سرداً لجانب من دورة الدمار والتجديد هذه في اليابان، لكنني أود أن أشير إلى أن لوحة «الموجة الكبرى» للفنان هو كوساي، العائدة للقرن التاسع عشر، والتي طبقت شهرتها الآفاق، تعكس الوعي الجمعي لدى اليابانيين بالمخاطر الهائلة المترتبة على موجات المد الكاسحة، المعروفة باسم «تسونامي»، وهذه بدورها كلمة يابانية تعكس مقطعين هما «موجة» و«مرفأ».
الذاكرة لا يمكن إلا أن تستعيد زلزال كانتو، الذي ضرب اليابان عام 1923 وقت الظهيرة تماماً، فسوى بالأرض معظم أرجاء طوكيو، ونجم عنه مئة ألف قتيل.
وفي الأعوام 1942 ـــ 1945 عرفت اليابان ظاهرة من المؤكد أنها كانت أقل شهرة من قصف هيروشيما وناغازاكي بالقنابل النووية، لكن لا حدود لضراوتها أيضاً، وهي القصف الأمريكي لطوكيو بالقنابل الحارقة، الذي أودى بحياة مئة ألف ياباني في عام 1945 وحده.
وفي عام 1995 تعرضت مدينة كوبي لزلزال أودى بحياة ستة آلاف ياباني، وقدرت الأضرار المترتبة عليه بما قيمته مئة مليار دولار، فيما أصبح يعرف في المراجع الاقتصادية بالعقد الياباني المفقود.
لكن الزلزال الهائل وموجة التوسنامي اللذين ضربا شمال شرقي اليابان، أخيراً، حملا معهما كارثة من نوع آخر، هي كارثة انهيار نظم الأمان في مفاعلات مجموعة من محطات الطاقة النووية، ما أدى إلى تسرب إشعاعي لا مجال للتقليل من خطورته من ناحية، ومن وضعه إجراءات الأمان في مفاعلات اليابان البالغ عددها 55 مفاعلاً موضع التساؤل من ناحية أخرى. إذا كانت الولايات المتحدة قد أوقفت بعد كارثة «ثري مايل آيلاند» بناء أي مفاعلات جديدة حتى اليوم، فمن المؤكد أن إحدى المهام الصعبة في اليابان خلال السنوات المقبلة ستكون معالجة احتمال نزع المكون النووي من سلة الطاقة اليابانية.
وفي غضون ذلك، لا بد لنا أن نلاحظ أن أطقم التصوير الغربية مضت تبحث عبثاً في حزام الكوارث عن مشاهد الفزع الجماعي أو التدافع أو الانهيار أو الغضب الجائح والتظاهر ضد الحكومة اليابانية.
كل ما كان هناك هو ذلك الصمود الياباني المدهش، والارتفاع على الألم والحزن والانكسار إلى مستوى التحدي إلى مواجهة المهام العاجلة.
يكفي أن نتذكّر في هذا الصدد ما جرى للصياد الياباني أوجي هاجا، الذي لم يكن قرب التسونامي المدمرة في الحادي عشر من مارس، وإنما كان على قمتها، فبمعجزة ما قدرت له النجاة بعد أن أفلح في الإبقاء على توازن سفينة صيده الصغيرة، فيما الأمواج تلطم الشاطئ، وتحول قرية أكوشي التي ينتمي إليها إلى مقبرة تمتد بلا انتهاء.
عندما عاد أوجي هاجا إلى داره وجد سقفها عند أساسها وكل ما بينهما كتلة من الدمار، لكنه لم يكترث إلا بالتقاط خضات من الأرز، كان حريصاً أن يمضي بها إلى عائلته، التي نجت عندما هجرت الدار، ومضت إلى المرتفعات البعيدة عن الأمواج.
اليوم يعود أوجي هاجا ومعه الناجون من أبناء قريته، لإبعاد الحطام عن موقعها تمهيداً لإعادة بنائها، ولم يكن عجيباً أنه قال للمراسلين الإعلاميين من حوله عبارة ينبغي أن نتأملها طويلاً.. قال: «هذه هي الروح اليابانية.. أليس كذلك؟».