في المحصلة، يشف مسار الاحتدام في أي بقعة أرضية عن طبيعة المسيرة المدنية، حيث يبني المجتمع مؤسساته وثقافته وأعرافه وتقاليده، بقواه الإنتاجية التي تسلم مشروعها الثقافي والنهضوي للطبقة الوسطى. ونحن في الشرق الأوسط، ربما كنا أغنى مختبر لتمحيص وتحليل حركة الشعوب، التي بعضها أسس نموذجه المتفرد، والبعض سار على هدي التاريخ وتجارب الأمم، والسواد الأعظم ما زال ينتظر.
ها هو العقيد الليبي معمر القذافي، يرسم ملامح التجربة الأخرى، النقيضة تماما لما جرى في تونس ومصر. بل هما نموذجا حكم وثقافة سياسية، الأول يمكن تسميته بثقافة التنحي نزولا عند هبوب كل مقدرات ومؤسسات المجتمع المدني في وجه النظام، في ظل احترام قواعد اللعبة الداخلية، من حيث استخدام قوات الأمن ومكافحة الشغب، التي ما ان تعجز حتى يدرك النظام نفسه ضرورة إرخاء القبضة عن ناصية القرار ومغادرة المكان.
أما النموذج الآخر، فكان عنوانه نظام القذافي، الذي يمكن وصف نهجه بثقافة الانتحار، انتحار نظام يحاول جر الدولة والشعب معا إلى ذات المصير، يمكن ذلك بالطبع بعد عقود من تهيئة المناخ لهذا المصير، عبر تفريغ كل مؤسسات المجتمع المدني من قوتها ومضمونها وفعاليتها، ومن ثم تذويب كل قوى الأمن في المؤسسات العسكرية، بمعنى زج الجيش في اللعبة الداخلية بدل إبقائه مختصا في مسائل السيادة وحماية الحدود، وجعله جزءا من السياسة التي ينتهجها النظام.
بعد عقود من إذابة الجيش في الأمن عبر كتائب أبناء القذافي الأمنية، والعمل على تشكيل روافد شعبية لها أطلق عليها «اللجان الثورية»، سقطت سيادة الوطن في اللعبة السياسية للنظام، وصارت ـ أي السيادة ـ إلى حد ما مرتبطة ببقاء النظام نفسه.
نرى ذلك جليا، عبر مغامرة العقيد الليبي بسيادة وطنه، ودفع آلته العسكرية ـ الأمنية إلى ارتكاب مجازر، لمحاولة الوصول إلى حسم سريع للمعارك على الأرض، وابتزاز المجتمع الغربي، وتحديدا الأوروبي، بالنفط ولغة المصالح، ما استتبع رد فعل دوليا عربيا منتفضا على غرابة وحشية، نابعة من سابقة قصف الشعب بفوهات المدافع وصواريخ الطائرات الحربية.
هنا مربط الفرس، المجتمعات التي تمتلك إرثا من العمل المؤسسي، المؤطر لقوى المجتمع المدني، لا يمكن لها المغامرة بالسيادة والمقامرة بالكرامة الوطنية، حتى لو كان الثمن رحيل النظام، بينما المجتمعات الرازحة تحت الحكم الشمولي عرضة دوما للانكسار الوطني ومقامرة انتحار النظام.
في كل أحوال الصراع السياسي الداخلي في أي دولة، يفترض أن يظل الخط الأحمر، بل والمقدس، بقاء المؤسسة العسكرية رمزا للسيادة الوطنية، وخارج تلاوين اللعبة السياسية الداخلية، وهذا مطلب دستوري حيوي، لا يتم إلا بقانون مدني متطور يضع الجميع في خاناتهم، يحدد صلاحياتهم وواجباتهم وآليات محاسبتهم.
اختار القذافي الانتحار، واستدراج الدمار لوطنه، مستفيدا من انجرار قوى المعارضة لديه إلى فخ الانتفاضة المسلحة. وهنا نرفع التحية للشعب اليمني الذي اشتهر بقبليته المسلحة، ولم تخرج مظاهراته عن طابعها السلمي.
لنعد إلى ثقافتنا العربية الغابرة، القائمة على «رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب»، فنكون قد أسسنا لثقافة مجتمعية مدنية قادرة على حل كل التناقضات الداخلية ديمقراطيا وسلميا، من دون التوزع بين نهجي التنحي أو الانتحار.