الذين تابعوا، بحب وتعاطف، الحوار الذي أجري مع المبدع والمفكّر النيجيري وولي سونيكا، في الحفل الأول لمهرجان طيران الإمارات للآداب، لا شك في أنهم توقفوا عند فارق دقيق في إجابة سونيكا على سؤال لا شك في أنه يؤرقنا جميعاً: أي مستقبل تتوقعه للثورات التي يشهدها العالم العربي؟

لقد بادر سونيكا إلى التميز بين جانبين يتعلقان بالرؤية المستقبلية لما يجري في العالم العربي، فقد شدّد على أن ما يجري ليس قابلاً للارتداد إلى الوراء، وإن شئت الدقة فقل لا يمكن أن يقلب أو يعكس. وفي الوقت نفسه، فإن ما يجري هو في حالة حراك دائب في اتجاهات شتى، يصعب ربما إلى حد الاستحالة التنبؤ بما يمكن أن يفضي إليه، في نهاية المطاف، ومن ثم فإنه، شأن كل ما يقوم به البشر، معرض للانتكاس، معرّض لأشكال شتى من القصور، تكاد تكون بلا حدود.

هذا الفارق الدقيق يستحق الوقوف عنده طويلاً، وتأمله، ربما لأنه كان ولا يزال يؤرقنا، قبل أن يضعه سونيكا في هذه الصياغة الواضحة إلى حد الصرامة.

أما أن ما جرى ويجري في عالمنا العربي غير قابل للارتداد إلى الوراء، أو القلب أو الانعكاس، فهو أمر جلي وواضح بذاته، فما من قوة يمكنها أن تعيد مصر، على سبيل المثال إلى ما كانت عليه قبل الخامس والعشرين من يناير، كائنة ما كانت، لأنها لكي تحقق ذلك عليها أن تدهس على إرادات ثمانين مليوناً من البشر، كانوا قد وصلوا بالفعل إلى حافة اليأس، وشرعوا يطرقون أبواب الحرية بقبضات دموية. ومن المؤكد أنهم على استعداد للتضحية بالحياة نفسها حتى لا يعودوا إلى مواجهة هوة العدم تلك التي كانوا أمامها.

وأما أن ما جرى ويجري عرضة للنكسات، فأحسب أنه لا يقل وضوحاً عن سابقه.

ألم تكن الحكومة المصرية نفسها هي التي رفعت الصوت عالياً محذرة من شبح الثورة المضادة؟

ألم يعلّمنا التاريخ المصري نفسه منذ ثورة الدولة القديمة بأن اختطاف الثورة والمضي بها إلى نقيض مسارها والمنطقي والعقلي هو أمر وارد ويمكن أن ينقض كإعصار قادم من المجهول وذاهب إلى العدم؟

ألم يحذرنا الحكيم الفرعوني «إيبو وير» من أنه وراء كل سلاح يبرق تطلع إلى حرمان الناس من أحلامهم ومصادرة هذا البريق الوحشي؟

ولماذا نوغل بعيداً في التاريخ هكذا؟.. ألم يعلّمنا عام ‬1954 أن حلم الأمم يمكن أن يصادر إن غفلت عنه لحظة أو أسلمت مقاليدها إلى حسن النوايا وحدها؟

وهل هي قليلة تلك القوى التي لها مصالح يمكن أن تذهب من أجلها إلى خوض بحار من الدماء، خاصة وأن هذه القوى لا تزال شاكية السلاح ولم تجرد من قدرتها على أن تضرب الحركة نحو المستقبل في الصميم؟

الآن، فلنتمهل قليلاً، ولنسأل أنفسنا: هل الشوط الذي تم قطعه في التغيير في الدول التي شهدت ثورات حقيقية في شمال إفريقيا هو شوط كاف حقاً أم أنه ليس إلا بداية فقط؟

دعنا نسأل أنفسنا بصراحة ووضوح: لماذا ارتفعت في الولايات المتحدة على وجه الخصوص نغمة مد الجسور نحو قوى بعينها وكأنها اختزلت شعوبنا في هذه القوى وحدها؟ أليس في هذا تحريضاً لتلك القوى على أن تتحرك منفردة وضد إرادة الجماهير إذا اقتضى الأمر؟

.. ويظل الأفق مفتوحاً على الكثير من الأسئلة المؤرقة.

 

كامل يوسف حسين