في المحن، تمتحن كل المؤسسات. ولدينا نحن العرب ما يتخم الأفق من الأحداث الجسام، التي تفرض إعادة النظر في كل الأطر والهياكل لتبيان مدى الحاجة لوجودها، وما إذا كانت تمتلك مقومات الإنعاش والبقاء، أو الاحتضار.
في البارحة كان وزراء الخارجية العرب، يجاهدون للاتفاق على تفويض مجلس الأمن فرض حظر جوي على ليبيا، البعض عارض ورفض وتحفظ، بدعوى التدخل الخارجي، وكان موافقا، بل ومشاركا عسكريا في هذا التدخل الخارجي في العراق العام 1990، لكن في المحصلة صدر القرار المنتظر، بعد مئات القتلى الذين قضوا بصواريخ الطائرات التي قيل إن طياريها هم مرتزقة من الصرب أو أوكرانيا، وهو ما لا يعد تدخلا خارجيا في بعض القواميس السياسة العربية.
الانتفاضات الشعبية تتنقل ككرة النار، بعضها كان من الشدة والوهج بحيث أدى لقلب أنظمة حكم، وبعضها كان ناعما لكن ضاغطا على النظام لإعادة صياغة تركيبته وهياكله، لمصلحة التفويض الشعبي عبر منح صلاحيات كبيرة للهيئات المنتخبة، وفي المحصلة التغيير حل واستهدف الأقطار العربية، فماذا عن المؤسسة الجامعة لهذه الأقطار؟ نعم، لم لا يطال التغيير جامعة الدول العربية؟
عبر عقود من تاريخنا المعاصر، بدءاً من احتلال فلسطين، ومن ثم الحروب العربية الأهلية والبينية، فغزو العراق للكويت وما تبعه من حربين أرهقتا العراق تماما، وبعدها المجازر الأصولية الجزائرية وصولاً إلى تفتيت السودان، وما تمر به المنطقة العربية حاليا من نهوض مطلبي جماهيري، وأخيراً ابتداع العقيد الليبي معمر القذافي لسابقة القصف البري والبحري والجوي لجموع المتظاهرين ضده. لو تتبعنا أي بصمة للجامعة العربية بين كل الفصول هذه، لما وجدنا أثرا يدل، ولا تأثيرا يشير إلى جدوى تبرر الميزانيات المرصودة لهذه المنظمة.
تحركت الجامعة العربية فقط لتنادي مجلس الأمن بضرورة فرض حظر جوي، يحمي سكان مصراتة ورأس لانوف والزاوية، من وحوش الجو التابعة للعقيد، تحركت الجامعة بعدما أحرجها مجلس التعاون لدول الخليج العربية، هذا المجلس حديث السن مقارنة بالجامعة، والذي سارع منذ البدء إلى إرسال مساعدات إنسانية لمنكوبي ليبيا والمهجرين منها، فضلاً عن إدانة نظام العقيد بوضوح ودون مواربة. تحركت الجامعة تحت ضغط الإحراج فقط.
امتازت قمم واجتماعات مجلس الجامعة العربية طوال مسيرتها، بالجدل والخلافات ومن ثم العقم، ولا سيما أن نظامها الداخلي ينص على الإجماع في اتخاذ القرار، ما يفرض أسلوب المساومات والصفقات والترضيات للوصول إلى أي قرار، فأي قرار يتوقع أن ينجم عن مثل هذه الآلية السياسية، بالتأكيد سيكون في مستوى الحد الأدنى، ومعه أداء متدن لجامعة العرب.
من غير المعقول أن تكون هذه المؤسسة بهذه الأهمية وهذا الأداء في هذا العصر، وأن تبقى عصية على التطور والمواكبة، فمنذ إنشائها لم نتقدم سنتميترا واحدا في اتجاه ما يوحد، بل على العكس تدهورنا أكثر نحو القطرية، وتوزعنا بين التحالفات الإقليمية والدولية. ما الفائدة إذاً من وجود هذه الجامعة؟
إذا كان لا بد من عنوان لنا نحن العرب، فعليه أن يكون بمستوى الطموح والمصير، لا الحاضر المتواضع والخجول.. كل عربي يخرج إلى الشارع بمظاهرة مطلبية، عليه أن يرفع لافتة إضافية تقول: الشعوب تريد تغيير الجامعة العربية. وإن كان هذا الأمر من باب الحاصل ما ان ينقشع غبار الحراك الجماهيري، ووضوح هويات الأنظمة الجديدة.