الذين تصوّروا أن ثورة الخامس والعشرين من يناير أوجدت في مصر مجموعة من العصى السحرية التي يمكن أن تغيّر كل شيء على وجه السرعة، وأن تعيد ترتيب أوضاع تراكمت على مدى عشرات السنين، وأوجدت مصالح ومكاسب يستميت المستفيدون منها في استدامتها اليوم، عليهم أن يعيدوا النظر في تصورهم، وأن يدركوا أن الطريق لا يزال طويلاً، وأن الدروع البشرية التي تشكلت للدفاع عن المتحف المصري وحول مقرات جهاز أمن الدولة لمنع تسرب الأوراق والوثائق منها ولحماية مواقع الآثار من النهب سوف تشكل مرات لا حصر لها، اليوم وغداً وبعد الغد.

السبب في ذلك واضح وبسيط، وهو أن الطريق لا يزال طويلاً، وأن الثورة بدأت بالكاد مسيرتها، وأن من يتربصون بها كثيرون، وأنهم على استعداد لقطع الشوط كاملاً في محاولتهم لقطع الطريق عليها، ومصادرتها، وربما اختطافها أو العودة بها وبمصر إلى ما قبل ‬62 عاماً مضت.

في جذر هذا السبب الواضح والبسيط تكمن طبيعة المطالب التي رفعتها الثورة، منذ اليوم الأول، وهي مطالب لم تتغير، على الرغم من تصور البعض أنها تزيد مع كل مطلب يتحقق.

لقد كان في مقدمة هذه المطالب إسقاط النظام، وقد توهّم البعض أن هذا المطلب يتحقق بغياب شخصيات ووجوه وخروجها من دائرة العمل العام أو ملاحقتها من قبل النائب العام، أو حتى إيداعها رهن آليات التحقيق معها تمهيداً لمحاكمتها، ولكن كله لا ينفي أن المطلب لا يزال قائماً، وأن آليات تحقيقه تمضي بوتيرة بالغة البطء، وأنه أتى على الناس حين من الدهر وجدوا أنهم مطالبون بالقبول بأن يحقق مطلبهم أناس من مصلحتهم على كل الصُعد ألا يتحقق هذا المطلب.. فكيف جميعاً؟

في متاهة الطرق التي تفضي من المجهول إلى المجهول، يبرز الوعي الجمعي لأبناء الشعب المصري، الذي لا يقبل أن يتم تضليلهم عن أهداف الثورة بالقول إنه لا بد من الانصراف عنها إلى استعادة الحياة اليومية وضمان دوران دولاب العمل والإنتاج.

هذا الوعي الجمعي يدرك بوضوح أنه لا تناقض بين مواصلة تحقيق أهداف الثورة واستعادة ملامح الحياة، وأن التوصل إلى آليات الجمع بين هذين الأمرين ضروري وممكن، بل هو حتمي.

ولكن من هم الذين يعرقلون مسيرة الحياة؟ من هم الذين يريدون ضرب نضال الشعب المصري عبر التشتيت والدخول في المتاهات وإهالة الضباب والرماد والركام على الأهداف التي تراكمت التضحيات من أجل تحقيقها، وسالت دماء الشهداء في سبيلها؟

إذا أردت أن تعرف الإجابة، فتأمل مشهد محاصرة مقرات جهاز أمن الدولة، لقد كان هناك من يستخدمون أجهزة تمزيق الوثائق، ويشعلون النار فيها لإخفاء ما تضمه من حقائق رهيبة، بينما كانت الجماهير تلتقط الأوراق بأصابعها من النار، وتقيم الدروع البشرية لمنع تهريب الوثائق، لعلها ترى النور يوماً.

هذا المشهد نفسه هو الذي يعيد إلينا صيحات التحذير التي رفعها المناضل فرانز فانون، قبل عقود طويلة، من أن هناك من يبدّل الأقنعة ليسرق ثمرة نضال الجماهير، وهناك من يتلوّن ويتقلّب ويتبدّل لكي يطعن هذه الجماهير في الظهر، وهناك من يحاول العزف على أوجاع الناس، لكي يصرفهم عن استكمال مسيرتهم حتى النهاية إلى مسارها الصحيح.

«المعذّبون في الأرض» الذين حدثنا عنهم فرانز فانون هم أنفسهم الذين تجدهم اليوم يمضون بوعيهم الجمعي الواضح والبسيط والمحدد إلى قطـع الطريق على من يريد مصـادرة ثورتهم، هذه الثورة التي أعظم ما فيها أنها نهضت ولن تعود إلا بالارتواء بتحقيق مطالب الناس الذين ظلموا طويلاً، وحان موعدهم مع الإنصاف.