«زنقة .. زنقة ، دار.. دار، إلى الأمام .. ثورة»، كوميديا من قلب التراجيديا، بلمسات مونتاج طريفة تهتز الخصور على أنغامها، لتزين للأخ العقيد مصير الشهيد، حتى آخر قطرة دم من المرتزقة.

هل هو جديد الزعيم الليبي معمر القذافي، ما يخلط السخرية بالدراما الجنائزية المتقطرة من شاشات التلفزة، أم هو فصل جديد من الدهاء السياسي المسلح بأكوام من الرصاص والمال، أمامها يتلاشى الخصوم وتنحني الهامات القصار.

بالتأكيد لسنا هنا في وارد تقمص دور الطبيب النفسي، ما دام ما يجري على الأرض يكشف بوضوح مسار القذافي الشخصي ومعه مصير ليبيا. نجح دهاء العقيد في تفادي سيناريو خروج زين العابدين بن علي وحسني مبارك من دائرة الضوء، حين تمكن بعد فتح مخازن السلاح أمام النهم القبلي، من تجنب مسار الثورة السلمية لشعب يتوق للخبز والحرية، في مواجهة قوات مكافحة الشغب المدججة بتكنولوجيا القمع.

فعل ذلك لأنه يدرك جيدا أنه ما كان له أن يصمد يوما واحدا أمام مئات آلاف الزاحفين بأيد مرفوعة لا تحمل سوى لافتات «الشعب يريد». على هذا سارع إلى تحويل انتفاضة ليبيا السلمية إلى حرب مسلحة، قد يطول أمدها بقدر الأموال المخزنة في الغرف السرية وكمية الذخائر في الجعب العسكرية.

في ليبيا الآن لا جموع تحاصر المباني الحكومية وتزحف نحو القصر، هناك حالة تعبئة عسكرية شاملة في البلاد، ومعارك كر وفر بين مجاميع الثائرين المسلحة، وبين كتائب عسكرية مسنودة بمرتزقة مدججة بالدبابات والطائرات الحربية.

هكذا بتنا بحاجة لمحللين عسكريين لرصد اتجاهات المعارك، لا مفكرين سياسيين لاستباق لحظات الإحباط الجماهيري، بالتفتيش عن مكامن التفاؤل في مسار المظاهرات والأحداث.

لعب العقيد بذكاء موروث من طبيعة الأنظمة الشمولية التي تتشبث بأيديولوجية ما، تتفرع في ميليشيات مسلحة و«لجان ثورية»، دفع بالصراع الداخلي إلى مستوى الرصاص، فغاب الخط الفاصل بين الثورة الشعبية والتمرد المسلح.

وهو ما يفسر إلى حد ما ـ بالإضافة إلى نهم الترقب النفطي الغربي ـ الموقف الدولي المرتبك بشأن التحرك تجاه الأزمة الليبية، باستثناء مطالبة القذافي بعدم استخدام العنف وتجميد أرصدة، وإشعال جدل فقهي عسكري بشأن جدوى وإمكان فرض الحظر الجوي.

الخطورة الأكبر التي تنجم من النموذج الليبي القذافي، هي احتمال لجوء الجماهير إلى الاستسهال، وإحلال البندقية مكان اللافتة في الشوارع. وفي ظل توفر بيئة جذابة لهذا الاستسهال من حيث تخمة التناقضات الفئوية والعرقية والطائفية التي تعانيها مجتمعاتنا، فإن النضال السلمي المدني يغدو منتهي الصلاحية في قواميسنا المطلبية، وبدل الإصلاح يحل التفتت والخراب.

هل هذا بالضبط هو المنعطف الليبي في مسار تاريخنا الحديث المؤرخ منذ شرارة البوعزيزي؟

أغلب الظن؛ نعم، استنادا للموقف الغربي التائه وبدايات التدرب على رد الفعل العربي. ما يقدمه النموذج الليبي تهديد ليس للأنظمة العربية فقط، بل للأمن القومي العربي برمته، وهو ما يفرض تحركا بهذا المستوى والحساسية، فهلا تصحو محاولات تأطير الأمن القومي العربي عسكريا في مؤسسات الجامعة العربية.. فتبادر؟