قبل عشرين عاما كانت زيارتي الأولى إلى ليبيا وتحديدا إلى طرابلس لحضور احد المؤتمرات التي شارك فيها ممثلون لعدد كبير من دول البحر المتوسط، وقتها كانت غالبية الشباب وخاصة سكان المناطق الغربية من الساحل الغربي لمصر واقعون تحت تأثير دعاية النظام الليبي التي روجت للعقيد معمر القذافي باعتباره أمين القومية العربية، ومساند ثورات التحرر في أرجاء المعمورة الأربعة الذي لا يشق له غبار، غير أن هذه الفكرة لم تصمد ساعات عندما رحت أتأمل المشهد على الأرض.
في اليوم الأول من الزيارة وبعد وصولي إلى طرابلس كانت البلاد تحتفل بيوم المنفيين ممن نكل بهم الاستعمار الايطالي، والى جانب تذكر هؤلاء المناضلين من خلال برامج بالأبيض والأسود في التليفزيون الرسمي الملون، اختار النظام لفت نظر العالم إلى الذكرى بطريقة غريبة من تلك التي عرفت عن العقيد الليبي حيث قطع الاتصالات مع الخارج، رغم ما يترتب على ذلك من وقف مصالح البلاد والعباد.
في الفندق الكبير، أو المعلف الكبير كما كانت تطلق عليه الوفود التي تتقاطر على ليبيا من حين لآخر، من كثرة الطعام المقدم للنزلاء، كانت أبواب الحجرات مزدانة بشعارات من نوع من (تحزب خان)، والكتاب الأخضر أفضل الكتب، والقذافي أعظم القادة.... الخ، رغم أن الوفود المشاركة في المؤتمر الذي حضرت لمتابعته إعلاميا كانت تمثل أحزابا وقوى سياسية، ليست من السذاجة لتبني الشعارات الجوفاء.
وكوني اكره القاعة المغلقة وما يدور خلف الجدران من نقاشات بعيدا عن الناس، آثرت في اليوم التالي الهروب إلى شوارع طرابلس، للحكم على شعارات القذافي، ومدى ما حققته للشعب الليبي من تقدم أو ازدهار، فإذا بالواقع الذي يكذب كل شعار.
كانت طرابلس وقتها، وأعتقد أنها مازالت، مدينة متواضعة لا تليق بعاصمة دولة نفطية، سكانها بضع ملايين، طرقات لا تزال ترزخ تحت وقع الرمال والأتربة، مباني لا تتجاوز في الغالبية الأدوار الأربعة، عمران بسيط لا ينم عن ثراء. أما المؤسسات الحكومية فلم تكن تحظى بالهيبة المتعارف عليها في الدول التي تمتلك عوائد نفطية طائلة مثل ليبيا.
ولأن المحال التجارية لابد وأن تعطي إطلالة على وضع العباد الاقتصادي فقد تجولت في العديد منها، الراقي والشعبي، فلم تكن بأي حال من الأحوال تتجاوز متاجر المدن الهامشية، في اقتصارها على بيع الحاجيات الضرورية، وهذا ليس تقشفا كما أسر إلي البعض من النسبة الضئيلة التي وافقت على التحدث إلي من الإخوة الليبيين، وإنما تعمد إهمال الناس والعمل على بقائهم عند هذا المستوى من العيش.
كورنيش المدينة الذي يعد رئة كل المدن الواقعة على ساحل البحر المتوسط، كان حضوره باهتا، لا تواجد لبشر بمحازاته إلا فيما ندر، عكس الاسكندرية مثلا التي لا تنقطع صلة الناس بكورنيشها على مدار الساعة، الوضع لم يكن يعكس عزوفا عن التنزه، وإنما نوع من الاحتجاج الصامت على الحياة التي فرضها القذافي على الشعب الليبي.
أخطر ما فعله النظام على مدى أربعة عقود، إن جعل في عقول البعض رسالة خاطئة تقول إن القذافي هو الشعب الليبي، مع تعمد إخفاء جوهر الشعب الليبي، تارة بالإقصاء وأخرى بالاعتقال، وحتى القتل، فإذا بالشعب يخرج في وضح النهار بمئات الألوف، لينفض عن نفسه هذا الأكاذيب التي صنعها النظام، مؤكدا انه شعب أصيل يستحق الحياة.
لم تفلح الرشى المادية، والإغراءات التي عرضها النظام في ثني الجموع الهادرة التي خرجت لتقول للجمود والتخلف تحت دعاوى التقدم الزائفة لا، وهذا أفضل ما قدمته ثورة 17 فبراير، وهو استعادة الشعب الليبي حضوره، ورفض العباءة التي حاول النظام حجبه خلفها عنوة.