أكاد أراك في العتمة، عاكفاً بمهارة ضابط الأركان العتيد على الكتابة بمنهج من يستعد لمعركة دموية، حتى النهاية، تحدد من هم خصومك ومن هم حلفاؤك، من الذين لابد لك من استئصال شأفتهم ومن يتعين عليك التحالف معهم، وكيفية الإطباق على هؤلاء وابتلاع أولئك في نهاية المطاف، ما هي القوة المتاحة لك، وما هي القوة التي ستجرد ضدك، ومتى يكون ذلك، وكيف تعتزم إسدال ستار التعتيم على نهر الدماء والظهور بمظهر المخلص والمنقذ في نهاية المطاف، ومتى يدوي التصفيق ليتوج كلماتك، وكيف.
أكاد أراك في الغسق، عاكفاً على قراءة كل كلمة كتبت عما حدث تحت آفاق القاهرة في عام 1954، لعلك تستلهم طبعة عصرية مما جرى في ذاك الزمان، وربما تعكف على إعداد قوائم من سيودعون السجون، ومن سيودعون رهن الإقامة الجبرية، ومن سيجبرون على شق طريقهم إلى المنافي، ومن سيختفون مرة وللأبد، ليفسحوا أمامك المجال لكتابة التاريخ بطريقتك الخاصة.
أكاد أراك في الظلمة، غارقاً في إعداد قوائم من سيصبحون خميس وبقري هذا الزمان، عاكفاً للمرة الألف على قراءة قانون «لوشابليه» الفرنسي الشهير، رغم انه يعود إلى 17 يونيو 1791، لأنه مع نسختك الجديدة من هذا القانون سيصبح التجمع دفاعاً عن الخبز جريمة، والحديث عن نغمة الصغار جناية، والتنفس جنحة.
أكاد أراك في الغسق، حائراً تتلمس السبل إلى «ريبرتوار» يعيد تكرار 62 عاماً من حياة شعب حزين، ويعيد استحضار 30 عاماً من حياة هي توأم الموت، وتنبش الأرض سعياً وراء سبيل لجعل الدفن ممارسة يومية وسفك الدماء طقساً يتكرر.
أكاد أسمع خطاك في الغبش تترصد بمن حلموا بالفجر طويلاً، وكأنك تريد لليل أن يعود، وللدخان ان يجثم على الأنفاس، وللضباب أن يهيمن على العيون والأرواح والقلوب.
أكاد أسمع خطاك في الضباب تنسل كثعبان يزحف، حاملاً موتاً راعفاً لمن أرادوا الحياة، تتمنى لو أن الأفق سلاح ورصاص، ولو أن الجموع أشباح تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد أن تعانق فيضاً من رصاص، فتبدو شلالاً من دم.
أكاد أراك في الدخان، تحلم بأن الفجر لن يطلع على هذا الجزء من العالم، وأن السواد سيظل نسيج عمرنا، وأن الرماد سيظل قدرنا، وأن القبور ستلون ضفاف أنهارنا وامتداد واحاتنا وبوادينا وسواحلنا.
أكاد أراك في الزمن الجهم عاكفاً على قراءة كل ما خلفه من سبقوك إلى الحلم بإجهاض انتفاضات الشعوب، لعلك تتدبر كيف أحبطوا السعي إلى النهار، وكيف أطفاؤا نور الشمس، أو توهموا أنهم أطفاؤه.
أكاد أراك في الزحام تتربص بأفئدة الشباب، تسعى إلى عيونهم، تنشد جماجمهم، من دون أن تسأل نفسك لماذا تعاديهم كل هذا العداء؟ ألأنهم حلموا بمستقبل أفضل لصغارهم؟ ألأنهم حلموا بمستقبل معجون بالكرامة وممزوج بالحرية؟ ألأنهم تتطلعوا إلى لقمة خبز ثمنها العرق وليس الهوان؟
أكاد أراك في الفجر المتألق تعاني من انقضاض النور عليك، وأنت الذي عاش مرادفاً للظلام، وتوشك أن تختنق، أن تتبدد، لأن النور أصبح واقعاً يفرض نفسه بقوة تتبدد معها خفافيش الماضي الذي رحل عن عالمنا، أو هو يوشك على الرحيل في القريب العاجل.