«الليلة أخرجوا من بكرة»، و«دقت ساعة العمل والزحف المقدس»، «إلى الأمام.. إلى الأمام، لا رجوع». ثم «غنوا وارقصوا.. ارقصوا»، «إن كان الشعب في ليبيا والعالم العربي لا يحبني فإن معمر القذافي لا يستحق الحياة ساعة واحدة».

لا داعي لانشغال محللي الفضائيات، بأي مغزى لكلمات العقيد معمر القذافي عبر أكثر من خطاب، منذ بدء الثورة المضادة لـ «الثورة الخضراء» في ليبيا، سوى أن حالة عدم التسلسل المنطقي في خطابات العقيد، شابها هذه المرة الانفعال الشديد لرجل أعلن أنه يحمل سلاحه للقتال حتى آخر قطرة في دمه، رغم أنه يعلن ذلك من مخبأ محصن في باب العزيزية، بل وأكثر من ذلك يغلق الزر الأخير من ياقته للمرة الأولى في حياته، لإخفاء السترة الواقية من الرصاص، بحسب العارفين بعاداته.

لكن الزحف المقدس بدأ بالفعل، ولكن ممن؟

كل المشاهد والمصادر المتوافرة من الساحة الليبية، تتحدث عن «كتائب القذافي» كقوة تقود مجموعات من المرتزقة الأفارقة على الأرض، وطيارين من أوكرانيا في الجو، في مفارقة شديدة المرارة، تتعلق بمبادئ العقيد العروبية طيلة ‬42 عاما.

لكن ما جرى من تحول في موقف القذافي في السنتين الماضيتين، يؤشر إلى أن العقيد وكأنه تنبأ بحتمية الثورة ضد «ثورته»، فبعد عروبيته المفرطة، غادره الشغف العروبي واتجه نحو إفريقيا، ليعتلي عرش «ملك ملوك إفريقيا»، وتاليا لا غضاضة لديه الآن في زحف المرتزقة الأفارقة إلى الأرض الليبية، التي باتت جزءا من مملكته الإفريقية، وهو بذلك يضيف لمسة جديدة إلى لوحة مسيرته التي كانت تبدو ظاهرا غرائبية، لكنها في باطنها خبث معتق، إذ كان العقيد يعلم جيدا بتآكل شعبيته بين جماهيره، فلجأ الى بطانة من أقربائه، وتحديدا أبنائه الذين تسلموا قيادة الكتائب المسلحة الحساسة، بينما عهد إلى زوج شقيقة زوجته بجهاز المخابرات.

هذا جانب من الدهاء القذافي، أما الجانب الآخر فيكمن في خطابه الداخلي الذي تركز في السنوات الأخيرة في لغة مضادة للجامعة العربية، تحت شعار فقدان الأمل في إحياء الأمة العربية، وبالتالي الاتجاه إفريقيا، وزج ليبيا في صراعات القارة السمراء من تشاد إلى السودان، لترسيخ ثقافة شعبية مفادها أن إفريقيا هي العمق الليبي، لا الأمة العربية.

وكمحاولة أخيرة، لعب معمر القذافي بآخر أوراقه لترتيب الوضع الداخلي، بزج نجله سيف الإسلام، كرافع للواء التيار الإصلاحي، وبالتالي مواراة التوريث بشعار التغيير والإصلاح، على أمل تنفيس الاحتقان الداخلي الناجم عن استهجان ملايين الليبيين من العيش تحت خط الفقر، في بلد نفطي غني بعدد سكان قليل.

الآن، ولفرادة الوضع الليبي، تختلط الأمور قليلا، مع انتشار «لجان ثورية» على جانبي متاريس المعارك، حاول المنتفضون تمييز لجانهم بتسميات غير موحدة ولا تنتمي للجان القذافي الشعبية، فضلا عن انقسام التشكيلات المسلحة بين الجانبين، وهو ما يضيف الكثير من التعقيدات للوضع الليبي المعقد أصلا.

الآن، تؤول الأمور إلى تدويل للأزمة الليبية، فضلا عن فقدان المنتفضين لقيادة موحدة وأجندة تغيير محددة. هذا بالتأكيد يلف الثورة الناشبة في ليبيا بمخاطر تجعلها متراجعة قليلا عن نظيرتيها في تونس ومصر، لكن من يدري؟ فربما تسارع قوى الشعب الليبي إلى لملمة الصفوف وبلورة رؤية محددة لتفاجئنا بنموذج جديد يرسخ جدارة الشعب بالحياة .. إذا أراد.