تصبر الشعوب على الجور عقودا، لكن صمتها الطويل الذي قد يفسر بالخنوع أحيانا، لابد وأن ينقلب في نهاية المطاف إلى هدير يكتسح في طريقه القهر، ورموز الظلم والفساد الذين تحملهم الناس على أمل أن ينصلح حالهم، من دون جدوى.

فقد تحمل أبناء عدد من الأقطار العربية، أنظمة استبدادية أذاقتهم الجهل والتخلف، وفرضت عليهم المرض والعوز، باتباع سياسة الإفقار المتعمد، بما يجعل الشعوب تلهث ليل نهار وراء لقمة عيش مستعصية على الوفاء باحتياج الأفواه الجائعة.

استندت بعض الأنظمة في بقائها إلى ترسانة واسعة من آليات القتل والتدمير، وجحافل الجند المدججة بكافة أنواع الأسلحة، في إرهاب الشعوب، وضمان خنوعها، لكن دوام الحال من المحال، فقد جاءت اللحظة التي راوغت الأنظمة وناورت للإفلات منها، فإذا بها تقف وجهاً لوجه أمام صيحات أصحاب الحقوق المنهوبة، الذين خرجوا بصدور مكشوفة، مضحين بالغالي والنفيس، لاسترداد ما جرى سلبه منهم جهارا نهارا.

تحملت الشعوب سنوات عجافا في الحقبة الاستعمارية، وناضل الأجداد من أجل جلاء المستعمر، وعندما تحررت الأوطان، واعتقد الناس أن خيرات بلادهم باتت طوع بنانهم، إذا بهم يقعون فريسة عدد من الأنظمة القمعية التي استحوذت على الثروات تتصرف فيها كيف تشاء من دون وازع من ضمير، وكأن مقدرات الشعوب إرث يمكن التصرف فيه من دون الرجوع لأحد، فإذا بالمارد يخرج من القمقم، فارتعدت فرائص البعض فولوا هاربين، فيما لا يزال البعض الآخر يصارع سكرات الموت على يد ثوار شبوا عن الطوق، وعرفوا طريق استرداد حقوقهم.

ما حدث في تونس ومصر، وما يجري في بلدان أخرى، كأس دائرة لابد وأن تتجرعها أنظمة تجاهلت لسنوات طوال أنين شعوبها، وداست بأحذية أجهزتها القمعية على كرامة الناس رغم أنهم يعلمون أن هؤلاء ولدتهم أمهاتهم أحراراً، وليسوا عبيد إحسانات أحد، وفق المقولة الشهيرة للزعيم المصري أحمد عرابي.

اليوم جاءت ساعة حساب الشعوب لحكام ظنوا أنهم مخلدون، وأن عصا التغيير لن تمسهم، فتحصنوا بجنون العظمة واعتبروا أنفسهم مجداً لا يجب التفريط فيه، وعباقرة لا يمكن الاستغناء عنهم، غير عابئين بحركة التاريخ التي تقول إن أمثالهم كائنات لابد أن تنقرض، فقد تجاوزهم الزمن، وباتوا (إكسباير) بعد أن انتهت مدة صلاحيتهم منذ عقود، وما كان لها النفاذ إلى القرن الواحد والعشرين.

رياح التغيير التي طالت أغلب الديناصورات القديمة في العالم، كان لابد لها أن تحط في منطقتنا العربية، وإن جاءت متأخرة بعض الشيء لكنها جاءت على كل حال، وعلى البعض الانحناء أمام العاصفة والقبول بما تمليه عليه الجماهير، بدلاً من مناطحة قوى عاتية لا قبل له بها. قتل الأبرياء العزل بالقنابل والصواريخ، والاستعانة بالبلطجية وفلول أجهزة الأمن الشاردة وحتى المرتزقة، لن يفلح في ثني الشعوب عن المطالبة بحقوقها في الحرية والعيش الكريم، ومحاسبة من خربوا الأوطان، ونهبوا ثرواتها على مدى عشرات السنين.

اتهام الشعوب بالعمالة للأجانب والخيانة، أو العمل لصالح أجندات أجنبية لن يجدي نفعا، والتهديد بإحراق البيت بمن فيه، لن يحول دون اقتلاع بؤر العفن هنا وهناك، على طريق استعادة العدالة الاجتماعية المفقودة، والحرية التي أدخلتها بعض الأنظمة في أنفاق مظلمة، سعت بكل ما تملك لكي تخرج منها.

ربما يقلق البعض من تسارع الأحداث في أكثر من بلد عربي، وقد يخشى آخرون من ما يخفيه قادم الأيام، غير أن ما يجري دليل على استعادة الشعوب صحتها وعافيتها، بعد نوبة مرض كادت تجهز على أفضل ما فينا، وتسلبنا القدرة على النفاذ إلى المستقبل، فإذا روح البقاء تنهض من جديد.