وسط أحداث تاريخية استقطبت اهتمامات الدنيا، ولاتزال، وفي قلب شلال من دم الشهداء وهدير لا ينتهي من الهتافات بسقوط أنظمة تأخر انهيارها عقوداً من الزمان، صدر كتاب «المعلوم والمجهول» لوزير الدفاع الأميركي السابق رونالد رامسفيلد، فكان طبيعياً ان يسقط في بئر من عدم الاهتمام، أو التجاهل، أو الانصراف عنه إلى ما هو أهم منه وأجدى. لكن ذلك لا يعني ان ننصرف كلية عن هذا الكتاب، الذي يقع في 815 صفحة، ألحق بها 1300 هامش استمدت غالبيتها من أوراق احتفظ بها المؤلف من قلب اجتماعات ومؤتمرات وورش عمل على جانب كبير من الأهمية والخطورة. وقارىء كتاب «المعلوم والمجهول» من المؤكد انه يتوقع ان يجد بين دفتيه مبادرة من المؤلف إلى إعلان أسفه وندمه على دوره في غزو العراق، الذي أسفر عن مصرع مليون عراقي معظمهم من المدنيين وحوالي 4400 جندي أميركي، غير ان ما يجده أبعد ما يكون عن ذلك، فرامسفيلد يؤكد حتى السطر الأخير من كتابه تمسكه بما قام به وإصراره على أنه لو دارت الأيام لأقدم حرفياً على إتيان كل ما جنته يداه.
المؤلف يقدم عبر هذا الكتاب ما وصفته صحيفة «وول ستريت جورنال» بأنه «شريحة من التاريخ». على امتداد هذه الشريحة الدموية يقدم رامسفيلد ما يصفه بأنه «مساهمته في السجل التاريخي». وهذه المساهمة ليست إلا توزيعاً لأنصبة من الاتهامات واللوم والنقد على كل اللاعبين على مسرح الحياة السياسية الأميركية، باستثناء المؤلف نفسه، طبعاً. يصف المؤلف البيت الأبيض الذي مزقته الخلافات في ظل رئاسة جورج بوش ومجلس الأمن القومي الذي أشرفت عليه كوندوليزا رايس، والذي يعيب عليه أنه لم يضع خطة محكمة لعراق ما بعد الغزو.
ويفتح رامسفيلد نيران انتقاداته على رايس وعلى وزير الخارجية الأميركي آنذاك كولن باول، ولا ينسى بول بريمر الذي تولى رئاسة سلطة التحالف المؤقت، الذي بادر إلى حل الجيش العراقي وإلى تحويل العراق إلى ساحة للنهب والسلب والجرائم بشتى أنواعها، وعلى الرغم من أنه كان مسؤولاً مباشرة أمام رامسفيلد، فإنه هذا الأخير يختتم انتقاده له بالقول إنه لم يكن بوسعه ان يفعل له شيئاً لأن بريمر كان «مبعوثاً رئاسياً».
وتخف حدة الانتقادات من جانب المؤلف حينما يتحدث عن أدائه في وزارة الدفاع، ويغض النظر عن مسلسل أخطائه، الذي انتهى بطرده من منصبه، وبرر فشله في مواجهة المقاومة العراقية بأغرب التبريرات، حيث يقول إنها جاءت في شكل موجات متتابعة كل منها يقتضي تحليلاً مختلفاً لها قبل التصدي لها والإطباق عليها.
المدهش حقاً أن مهندس غزو العراق، الذي تلطخت يداه بدم مليون مدني عراقي، لا يتردد في إبداء شكوكه حول مفهوم بناء الأمم، الذي روجت له إدارة بوش، ويقول إن تلك ليست مسؤولية أميركا في حالة العراق، برغم ان العراق كان محطماً في ظل الرئيس العراقي السابق صدام حسين. ولا يتردد رامسفيلد في الإعراب عن عدم ارتياحه لحديث بوش عن الديمقراطية في الشرق الأوسط، ويقول إنه يشعر بالقلق من اعتماد بعض الدول كثيراً على الولايات المتحدة. ورداً على السؤال: أين الخطأ في أفغانستان؟ يبادر رامسفيلد إلى القول إن ما يجري في أفغانستان هو مشكلة الشعب الأفغاني، الذي يتعين عليه ان يقرر لنفسه ما يريده. هكذا فإن وزير الحرب الأميركي السابق يقوم عبر كتابه هذا برحلة دائرية، يخلص منها إلى القول إنه بعد ان كرست أميركا كل قدراتها لتحطيم إرادة الشعب في العراق وأفغانستان، فإن على الشعب في البلدين ان ينهض من قلب الحطام الدموي الأميركي ليتدبر أمره بنفسه، لأن أميركا تريد ان تنفض يديها من بحر الدماء الذي تسببت فيه.
لكن رامسفيلد ينسى في نهاية «شريحته من التاريخ» أن التاريخ يعلمنا أن الدم يطارد من سفكوه، وأن الشعوب لا تستكين لمن يحاولون مصادرة إرادتها، ومن يرد دليلاً على هذا فعليه ان يصغي للدوي الهادر في آفاق الشرق الأوسط الآن.