انشغل بعض الخبراء في مؤتمر ميونيخ الأخير، في محاولات قرع الجرس للتذكير بخطورة، وتاليا أهمية وضع «ميثاق للانترنيت» على غرار «ميثاق جنيف»، رغم أن أحدث تقارير منظمة التعاون والتنمية الدولية، هون من هذا الأمر، وتحديدا قلل من مخاوف عصرية ناشئة مما يمكن وصفه بـ«الحرب الالكترونية».
بوادر هذه «الحرب» لاحت بعد الهجوم الصيني على «غوغل»، وكذا استهداف نظام «ستكسنت»، الذي قيل إنه يشغل البرنامج النووي الإيراني، فضلا عن تدمير الشبكة العنكبوتية البرازيلية.
التهوين الغربي من تبعات الحرب الجديدة هذه، لم يصمد مع التأكيدات على أنها ستكون إحدى محاور مؤتمر سان فرانسيسكو الأمني المزمع هذا الأسبوع، بعد أقل من شهرين على مؤتمر ميونيخ الذي تصدى أيضا لهذا الموضوع.
هنا لا داعي للغرق في تفاصيل دخول الانترنيت في البرامج العسكرية التقليدية، مع أن شهوة القتل الالكترونية تبدو أشبه بلعبة أطفال، لا يستفيق لاعبها إلا على مشاهد الدمار واللحم البشري المعجون بالحجارة، بعد ضغطة زر واحدة منه على بعد آلاف الأميال. لكن بوادر حروب الانترنيت بادية تماما، على الأقل لجهة كون الشبكة العنكبوتية أصبحت إحدى الأدوات الحربية، رغم أنف كل التحذيرات من «عسكرة الانترنيت».
إحدى تجليات ذلك، هي ظاهرة القراصنة «الهاكرز» القادرين على اختراق مواقع عسكرية حساسة، كما حدث لوزارة الدفاع الأميركية «بنتاغون»، وهي الظاهرة التي قد تكون أقل كلفة ومخاطرة من التجنيد التقليدي للجواسيس، بهدف جمع المعلومات من الخزائن التي لم تعد عصية على فتى بارع يشهر لوحة مفاتيح حاسوبه ويصوبها نحو الهدف.
الظاهرة الأخرى المتصلة، تتعلق بالحروب الاقتصادية، إذ يكفي إطلاق قصف عبر الأسلاك لتعطيل الشبكة فتتبخر الملايين، بل المليارات من الدولارات، إضافة إلى تعطيل أجهزة حساسة وحيوية للآدميين، في المستشفيات ومراكز الدفاع المدني والإسعاف.
لكن، سخونة الأحداث تفرض حضورها. ما يحدث الآن من حراك في الشارع العربي، يدلل على دخول الانترنيت «المعركة».
سارعت السلطات المختصة في مصر منذ بدء ثورة 25 يناير إلى تعطيل أهم أدوات الثورة (الانترنيت)، وتبعتها بخدمات الهاتف الجوال، ومن ثم حظر قنوات فضائية مجندة سلفا نحو أجندات محددة. لكن كل ذلك لم يفلح مع تعدد أدوات التكنولوجيا وبرامج كسر الحظر، وتبرع «غوغل» لتطوير خدمة تواصل جديدة بين المتظاهرين، وها هي ليبيا التي فهمت الدرس تعجز رغم ذلك، عن مواجهة الـ«يوتيوب».
هل يمكن اعتبار أن هذا المستجد من التكنولوجيا تفوق على نفسه وخالف الغرض من اختراعه؟
لو أجرينا أي استطلاع في الشرق الأوسط، لبانت النتيجة نظرة سلبية تجاه الانترنيت وتبعاته، من «فيسبوك» و«تويتر» وغيرها، لجهة اعتبارها بدعة غربية استهلاكية بحتة، لكن ما فاجأنا به جيل الشباب هو تسخير هذه التكنولوجيا كوسيلة إنتاجية، كانت حتى محركا لقلب أنظمة حكم.
كل ذلك رائع للوهلة الأولى، لكن الوهلة الثانية تستدرج بعض المخاوف الحقيقية من إمكان التحكم وتوجيه هذه التكنولوجيا إلى غير رغبة آمال العالم الثالث، فالشرائح المزروعة في حواسيبنا متاح مكنونها لصانعها الغربي، وأسرارها مشرعة لمبدعي هذه الأجهزة.. فهل آن الأوان لشبابنا أن يركز طاقاته في إبداع شرائح تخصنا، وأجهزة تخصنا لتبقى محتوياتها حبيسة بيوتنا.. وهويتنا وأحلامنا.