طريق طويل ينتظر مصر والمصريين، من أجل ترجمة المطالب التي رفعتها الثورة على أرض الواقع، وخاصة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، فقد تراكمت سلبيات ان لم تكن جرائم على مدى ‬30 عاما، لا يمكن الانتهاء منها بين عشية وضحاها، بعد ان تعمد البعض في نظام العهد السابق اتباع سياسة الأرض المحروقة بإفساد كل شيء، وتجريف لثروات المصريين من دون وازع من ضمير أو رادع.

اليوم يجد المصريون أنفسهم أمام جملة من التحديات، التي تحتاج إلى بذل الجهد والعرق لتجاوزها، على درب إخراج البلاد من الكوارث التي وقعت في النظام السابق، وجلبت إلى كل بيت، إفقارا وتخلفا، ما جعل مصر في قعر الأمم، وذيل شعوب العالم، رغم قدراتها الطبيعية على تحقيق وضع أفضل، ومكانة مرموقة.

مثل هذه التحديات تحتاج أولا وقبل كل شيء من كل مصري نظرة متفائلة بالقدرة على مواجهة المستقبل، وقد أعطتهم الثورة ثقة في النفس غابت عنهم سنوات، ولعل السلوك الحضاري الذي عكسه أبناء ميدان التحرير وباقي ميادين وشوارع مصر، برهان ساطع على الروح الجديدة التي دبت في الأرواح التي ظلت هائمة سنينا عدة تبحث عن نفسها.

هذه الروح يجب ألا يتسلل إليها الرغبة في الانتقام وتصفية الحسابات، وألا ينشغل أصحابها بما يلهيهم عن المستقبل، وصون مكتسبات الثورة الرئيسة التي تدعو إلى البناء، على أنقاض الخرائب التي تواري فيها، صناع اليأس، ومثبطي العزائم، وأبواق نظام تداعى وانهار تحت ضربات معاول الثوار، فقد عرف الشعب حقيقة هؤلاء ونعتقد أنه لن يسمح لهم مرة أخرى بالتسلل من الأبواب الخلفية إلى ساحة الثورة الفسيحة.

نعم هناك من أطلق عليهم البعض المتلونون أو المتحولون ممن صدحوا بالنفاق في إعلام النظام السابق، واليوم يسعون للبقاء، وتقديم خدماتهم للنظام الجديد الآخذ في التشكل، ومثل هؤلاء لن تجدي معهم عملية تبييض الشخصيات التي يحاول البعض تمريرها على الجماهير، لكن نعتقد أن مثل هذه الحيل لن تنطلي على أحد، فقد وجدنا صحفا تنقلب ‬180 درجة على الرسالة التي كانت تقدمها قبل انتصار الثورة، وراحت تمجد أبطال ميدان التحرير، قبل أن تعتذر عما اقترفه بعض رؤساء تحريرها، بحق جيل ‬25 يناير، وتشويهم صورتهم المتعمد لحظة احتدام المعارك مع بلطجية الحزب الوطني وفلول النظام الشاردة من عناصر الأمن التي منيت بالهزيمة النكراء يوم جمعة الغضب ‬28 يناير.

وبالضرورة فإن التطلع إلى المستقبل، لا يحتاج إلى مثل هذه النوعية من الصحف والإعلام الذي يقدم خدماته للأنظمة أيا كان نوعها، وإنما نريد إعلاما موضوعيا قائم على تقديم الحقائق، والبعد عن مدح النظام، حتي وإن صنعه الثوار.

نريد إعلاما مسؤولا، نزيها لا يخشى في قول الحق لومة لائم، ومثل هذا النوع من الإعلام يحتاج إلى توفير مناخ من الحرية والبيئة القانونية والثقافية التي توفر للقائم على العمل الإعلامي المناخ الصحي للعب دوره في الرقابة والتنوير، ومحاربة السلبيات التي قد تظهر هنا وهناك ووأدها في مهدها.

وفي هذا الاطار لابد أن يعاد النظر في ملكية وسائل الإعلام الرسمية في مصر، من إذاعة وتليفزيون وصحف، وأن ينتهي النقاش العام حول مستقبل وزارة الإعلام إلى إلغائها نهائيا، بعد أن مارست لسنوات طوال واحدة من أكبر حملات التضليل على الشعب المصري.

وبالقياس على الإعلام، نحتاج إلى روح جديدة في باقي قطاعات المجتمع، وأن يفتح الباب على مصراعية أمام أصحاب الفكر كافة للإدلاء بدلوهم في كل ما يشغل الوطن من هموم، فقد حانت ساعة العمل الجاد والحقيقي، فالنظر إلى الأمام يحتاج التغلب على جراح الماضي والتطلع بثقة إلى المسقبل.