عندما انصبت عيون العالم على ميدان التحرير في قلب القاهرة، لم تكن تتابع التاريخ وهو يكتب سطور ثورة فجرها الشباب، وأيدها الملايين من أبناء مصر من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة فحسب، وإنما كان العالم حيال إضراب هائل من أجل اقتصاد أفضل أيضاً. يليق بشعب يملك قدرات المصريين وطموحاتهم.

ولهذا، على وجه الدقة، فإن الوعي الجمعي للمصريين اعتبر أن من أكثر الإهانات التي وجهت لهم ضراوة وتجسيداً لابتعاد صانع القرار عن نبض الشارع قرار حكومة الفريق شفيق زيادة المرتبات والمعاشات بنسبة ‬15٪ في الوقت الذي يعرف الجميع أنها لم تدبر الموارد التي تغطي منها هذه الزيادة، وهو ما يعني عملياً دوران المطابع لضخ جنيهات تسحب قيمتها في الوقت نفسه من جيوب أبناء الشعب المصري، لأنها مجرد إضافة جديدة إلى ركام التضخم. الآن لا أحد يقلل من التحديات الهائلة التي تنتظر مسيرة العمل العام على الصعيد السياسي في مصر، فعند كل منعطف مهمة صعبة، ومع كل انطلاقة يأتي الكثير من غياب اليقين والافتقار إلى الثقة، وينفتح الأفق كل يوم على السؤال الصعب: إلى أين من هنا؟

غير أنه أياً كانت التحولات السياسية وثمارها في مصر فإنها لا تحدث في فراغ، ولا تنهض من عدم، ولا تمضي إلى المجهول، وإنما الحقائق الاقتصادية هي التي تشكل الأرضية التي تنطلق عليها مسيرة العمل السياسي، وتلك بديهة لا تحتاج إلى تكرارها هنا. أياً كان صانع القرار الذي سينعقد عليه الإجماع في مصر، فإنه سيجد نفسه مضطراً للتعامل مع اللغز الصعب في الحياة الاقتصادية المصرية.

هذا اللغز الصعب يوضحه الاقتصاديون بالإشارة إلى أنه بعد نقطة معينة في مسار العلاقة بين نسبة العاملين في الحكومة والقطاع العام إلى إجمالي عدد السكان، فإن نتائج بالغة الخطورة على الاقتصاد الكلي تبدأ في التوالي، ومصر قد تجاوزت هذه النقطة بمراحل، فهذه النسبة تصل الآن إلى ‬35٪ من إجمالي عدد السكان يعملون في الحكومة والقطاع العام.

حقاً إن مصر لم تصل بعد إلى النسبة المرعبة التي وصلتها إحدى الدول العربية الأخرى وهي ‬50٪ والتي عقب عليها اقتصادي عالمي شهير بأربع كلمات مدوية ذهبت مثلاً في الأدبيات الاقتصادية، عندما قال متسائلاً: هل هذا اقتصاد حقاً؟

غير أن ذلك لا يخفي خطورة هذا الملمح المهم من الاقتصاد المصري، والذي يبدو جلياً إذا تذكرنا أن نسبة العاملين في الحكومة والقطاع العام التركيين لا يتجاوز ‬13٪. وهذه النسبة لا تتجاوز في سنغافورة ‬3٪ وهي لا تتجاوز نسبة متواضعة في العديد من دول العالم المتوثبة اقتصادياً، مثل كوريا، اندونيسيا، الهند، ماليزيا، تايوان وتايلاند، وهي لا تتجاوز في الصين ‬8,3٪. ومن المؤكد أن هذا ليس اللغز الصعب الوحيد الذي ينبغي حله، إذا أريد لمصر أن تنطلق قدماً نحو المستقبل الأفضل، الذي يتطلع إليه أبناؤها، وإنما هناك العديد من الألغاز التي ينبغي التصدي لها، وفي مقدمتها الاختلال بين مخرجات التعليم ومتطلبات السوق، والافتقار الهائل للكفاءة في الإدارة على كل المستويات، ابتداء من إدارة الحكومة وصولاً إلى إدارة أصغر المشروعات. وفي مجتمع تتميز بنيته السكانية بغلبة الشباب وصغار السن فإنه من المؤكد لن توجد فرص العمل من خلال أكفأ أشكال العمل السياسي وحدها، فهذه الأخيرة لا تمتلك عصا سحرية لإيجاد فرص العمل.

هذه الفرص الحقيقية وحل الألغاز الصعبة في الاقتصاد المصري لن يتحقق إلا عبر جهود لا تنتهي وعمل شاق، بدأه شباب ميدان التحرير فعلاً بوعي جمعي رائع، حينما انتقل من الاحتفال بتحقق أول مطالبه إلى البدء بتنظيف شامل للميدان.

فلعلها تكون بداية لها ما بعدها حقاً، في مواجهة تحديات الغد، وهي كثيرة على كل المستويات.