قال الشعب المصري كلمته، فتلقفها المزايدون بالتحريف وحفر القنوات التوجيهية نحو مآل لم يدعيه الشعب، وأجزم أنه لم يفكر فيه على الإطلاق.

للمرة الأولى في التاريخ العربي المعاصر، تخلع حركة جماهيرية عن نفسها رداء الشعار التجاري بامتياز «القضية الفلسطينية». لم يرفع أي من متظاهري ميدان التحرير أو أي منطقة من أرض الكنانة، لافتة تدعو إلى تحرير فلسطين، وربما الأندلس، كما هو في أدبيات المكاتب السياسية التجارية العربية، كما لم نر أي يافطة تدعو بالموت لأميركا أو حتى لـ«كامب ديفيد»، ولا حتى أي هتاف أيديولوجي. كل ما أراده وائل غنيم من القاهرة وحسنين من الصعيد، وغيرهما من الإسكندرية وأسيوط وكل المناطق، عنونوه ببساطة بـ‬302 شهيد، طالبوا فقط بعيش كريم ومحاسبة المفسدين، ووقف إذلال المواطنين في مراكز الأمن.. هذا كل ما نشهد عليه جميعا، إلا المزايدون.

للمرة الأولى في تاريخنا يتنفس الفلسطينيون الصعداء بعدما تعبوا من دور قميص عثمان، الذي ألبسهم إياه عنوة المتاجرين بقضيتهم، حين كان عربي ما يهرب من قضاياه الداخلية الملحة نحو هتافات تحرير فلسطين، إما خشية القمع أو لغايات التربح الجماهيري.. للمرة الأولى يجترح المصريون بادرة التصدي للقضايا الداخلية البحتة، دون ربطها بشعار «تحرير فلسطين يجتث الفساد».

المصريون تحركوا بقوة لتصحيح أوضاعهم. هؤلاء الشبان المرهقون جدا، هم من يقررون الخطوة التالية، هم المعنيون أولا وأخيرا بمصيرهم وكيفية صياغة مستقبلهم الجديد، وحياتهم الجديدة بعد ‬25 يناير. هم يملكون من الوعي والخبرة والتجربة التنظيمية التي أذهلت وفاجأت العالم، ما يكفي ويزيد لوضع الخطط والاستراتيجيات وبلورة الرؤى، بعيدا عن المتزلفين في مكاتب لندنية أو صفحات جرائد حزبية. هم لا يحتاجون إلى نصائح خارجية ووصايا موجهة، فقط أن يتركوا بعيدا عن الضجيج الإعلامي والمراهقات السياسية الأيديولوجية، التي لا ترى العالم سوى خطوط متاريس بين معسكرين.

كلنا وقفنا احتراما للناطق باسم المجلس العسكري الأعلى في مصر، وهو يؤدي التحية أمام الكاميرا لأرواح الشهداء الذين سقطوا خلال مسيرتهم المطلبية البحتة، لا السياسية، فلم لا تكون مشاعر الكل مماثلة، بدل المسارعة إلى المتاجرة بدماء هؤلاء الشهداء، ووضع مواقف وكلمات مغايرة في أفواههم الطاهرة، التي لم تجف عليها بعد سخونة الهتاف المطالب بالعيش الحر الكريم.

جعلوا ميدان التحرير أضخم يافطة أرضية، كتبوا عليها بوضوح «لا للتدخل الخارجي»، فشباب الميدان عينه أدرى بشعابه، لكن التدخل الخارجي مفروغ منه في ظل سقوط وهم «الإعلام المحايد». فكما كانت شبكة «سي إن إن» في حرب الخليج الأولى اللاعب الأساسي و«العضو السادس عشر» في مجلس الأمن، كما وصفها دبلوماسي غربي، عزف بعض الفضائيات العربية على هذا المنوال، برسائل موجهة لجهة التحريض أو التهدئة، وقلة فقط من هذه الفضائيات اكتفت بنقل الحدث بحثا عن المعلومة الموثقة، بعيدا عن الانزلاق في خيانة أصول المهنة بترويج شائعات باسم (أنباء عن..)

يخطئ من يظن أن ما جرى في مصر يرسخ قناعته بصواب خطه السياسي، فلا وجهة سياسية بعد لأرض الكنانة في حقبتها التاريخية الجديدة، فعندما تتخلص من أمراضها وتتعافى اقتصاديا، يعود دورها المنشود في المنطقة، والذي ربما يكون على حساب المزايدين قبل غيرهم.

 

خالد أبوكريم

Adonis02@hotmail.com