اعزف يا رباب، واصدحي يا حناجر بالمواويل لـلورد الذي تفتح في ميدان التحرير، ولما لا وقد ظن البعض إثماً، أن أرض الكنانة باتت عقيماً، غير قادرة على الإنجاب، فإذا بها حامل في ملايين الأبناء النجباء الذين يحملون جينات عزتها وكرامتها، يهدرون دفاعاً عن حقها في امتلاك المستقبل، وبعد أن كسروا حاجز الخوف والرهب، من قوى الظلام التي أرادت للمحروسة لبس إيهاب التخلف وارتداء ثوب الخنوع.
ثلاثة أجيال ترى الأوطان وهي تمضي إلى غياهب القرون الوسطى، رغم أنها تستحق المنافسة الشريفة في ركب التقدم الذي لحقت به بلدان كانت تحبو عندما كانت مصر ترفل في ثوب العلم والمعرفة والعمران، حتى غدت مثالاً للبشرية منذ فجر التاريخ ضميراً للإنسانية، ورافداً أساسياً في صناعة الحياة.
خرج المارد من القمقم، بعد أن حطم أسوار الخوف التي قيدت الانطلاق نحو المستقبل، أكثر من ثلاثة عقود، تحت دعوى الاستقرار، واستخدام هذه الفزاعة أو تلك لاستمرار الوضع محلك سر، فإذا للأبناء المنذورين للغد رأي آخر، وبأدوات من عصرها، كي تعطي الدرس لمن تحجروا وظنوا أن عجلة التاريخ يمكن أن تتوقف.
نعم مصر بعد 25 يناير 2011، ليست هي قبل هذا اليوم التاريخي العظيم، فقد شكل خروج الملايين التي أخذت في التدفق على ميدان التحرير وباقي ميادين المحافظات المصرية من الإسكندرية شمالاً إلى أسوان جنوباً مروراً بمدن الدلتا والصعيد كافة، حدثاً ربما هو الأول في حياة مصر المديدة.
اتهم البعض الشعب المصري ظلماً بالخنوع لحكامه، وشكك البعض الآخر في قدرة الأجيال الجديدة على الفعل أو تحمل المسؤولية، وزايد كثيرون على هؤلاء باعتبارهم جيل البانجو والتسكع في الطرقات، فإذا بهؤلاء يلقمون الجميع حجراً، بعد أن راحوا يعبرون عن أنفسهم بأفضل ما تتمنى مصر، ويطمح وادي النيل، ويعطون المتقاعسين، والآكلين على كل الموائد درساً جعلهم يهرولون للحاق بركب ظنوا انه لن يتحرك، ولن يغادر الحواري الضيقة التي اختاروا العيش في رطوبتها الخانقة.
اليوم يسعى البعض إلى ركوب الموج، ويناور آخرون لحصد ثمار تضحيات عجزوا عن تقديمها، لكن البسطاء من أبناء هذا الشعب، الذين صبروا على الظلم سنوات طوال، باتوا أكثر وعياً من أن يضللهم أحد، أو يعطل عمل بوصلتهم التي حددت الاتجاه الصحيح، فقد ولى زمن المراوغة، وعرت الأحداث الزيف والمزيفين، وظهرت كل المواقف على حقيقتها، ولم يعد ينطلي على أحد الخداع والمخادعين، ممن ظلوا يتراقصون على الحبال، ظناً منهم دوام الحال إلى أبد الآبدين.
دارت عجلة التاريخ على أرض الكنانة، ولن تتوقف قبل أن تصل إلى غايتها في إحداث النهوض المنشود الذي ظلت أشواقه تتقلب في النفوس والضمائر انتظاراً للشرارة التي أشعلها شباب ميدان التحرير في يوم الخامس والعشرين من يناير، فإذا هي مصر تفاجئ الجميع بمظاهرات مليونية تطالب بالتغيير السلمي، وتدوس في طريقها جموداً خيم على الربوع المصرية، وسعى إلى جعلها تحيا في كهف مظلم لا تبصر فيه العيون النور.
لم تفلح الهراوات ولا الغازات المسيلة للدموع، في تغيير المسار، وفشلت البغال والإبل، وشراذم البلطجية، في وأد الحلم، قبل أن تخفق مدرعات الأمن المركزي في دهس الساعين إلى الإمساك بناصية الغد.
اليوم من حق الجيل الجديد والأجيال المقبلة أن تحلم بحياة كريمة، حياة لا تعرف الخوف والخنوع، حياة لا تلاحق فيها الهراوات والغازات المسيلة للدموع جموع الحالمين بما هو أفضل لهم ولشعبهم من قبل من فروا في الميدان، فقد طويت صفحة بمرها ومرارها، بعد أن قال الشعب كلمته.