أياً كان انهماك الناس في الركض وراء أحداث اليوم، وبغض النظر عن مدى اشتعال هذه الأحداث حقيقة بادية للعيان، فإن قلوبهم وعيونهم تظل معلّقة بمطالع الغد، لأنهم من أجل هذا الغد يضحّون، ولجعله أفضل لهم ولأبنائهم من بعدهم يواصلون مسيرتهم، حتى ولو كانت خطواتهم على الجمر والشوك والشظايا.

لكنك لكي تقرأ ملامح كتاب الغد، لا بد لك من أن تمسك بتضاريس الأمس أيضاً، فمن لا ماضي له، يراوغه المستقبل.. ومن يتجاهل الحقائق، يضيع في متاهات الأساطير.

ووسط فيض الدخان والحجارة وضجيج الصدامات الذي تصاعد طوفاناً من ألم وحزن وقهر ووجع إلى آفاق القاهرة، تطل حقائق قاسية، ينبغي على كل من سيقرر له أن يشكل ملامح الغد في المدينة التي شُيِّدت بحجارة من الصبر والحزن، والاحتمال أن يتعامل معها.

* مدينة الوجع الجارف، والحزن الراعف، هذه هي عاصمة بلد قرّر له أن يتردى من زمن الشموخ ليصبح الاقتصاد السري، أو اقتصاد تحت الأرض، وهو أكبر مشغل فيه، فالقطاع الخاص في مصر يعمل فيه ‬6,8 ملايين نسمة، والقطاع العام يعمل في إطار ‬5,9 ملايين نسمة، بينما يعمل ‬9,6 ملايين نسمة في القطاع غير المندرج في الأطر القانونية، وذلك بحسب الإحصاءات المدرجة في تقرير مؤلف من ألف صفحة أعده معهد الحرية والديمقراطية، ومقره العاصمة البروفية ليما، بتكليف من الحكومة المصرية عام ‬2004، ولم يقدر لتوصياته الإصلاحية المؤلفة من عشرين اقتراحاً أن ترى النور قط.

؟ يشير الخبراء القانونيون إلى أن ‬92٪ من المصريين لا تستند ملكيتهم للعقارات إلى وثائق قانونية، ولم تشق طريقها إلى الشهر العقاري، لأن العديد من العناصر حوّلت هذا الحق الطبيعي إلى مهمة مستحيلة التحقيق.

؟ يقدر الخبراء قيمة العقارات وأنشطة الأعمال المندرجة، في الريف والحضر على السواء، في مصر خارج الإطار القانوني بحوالي ‬248 مليار دولار، أي ثلاثين ضعف القيمة السوقية للشركات المسجلة في البورصة المصرية، قبل إغلاقها طبعاً، وخمسة وخمسين ضعف الاستثمار الأجنبي المباشر منذ دوت مدافع نابليون تحت آفاق الإسكندرية، بما في ذلك تمويل شقّ قناة السويس والسد العالي.

ولكن لماذا يظل معظم المصريين خارج إطار الاقتصاد القانوني؟

إنهم لم يختاروا ذلك، بالطبع، وإنما أجبرهم على ذلك طوفان كاسح تراكم عبر عقود عدّة، فأنت لكي تفتح مخبزاً صغيراً، يتعيّن عليك أن تقضي ‬500 يوم في دهاليز المكاتب الغارقة في الممارسات المعروفة، ولكي تسجل قطعة أرض فضاء، يتعيّن عليك أن تمضي سنوات عدّة في دهاليز هذه المكاتب أيضاً، ولكي تنطلق بنشاط أعمال متواضع يتعيّن عليك التعامل مع ‬56 مؤسسة حكومية. وبالمقابل، سجّلت شركات كبرى في قطاعات كالسياحة والفنادق، أخيراً، بسرعة صاروخية، تتحدى الخيال، وتفاصيلها موجودة اليوم في ملفات أمام النائب العام.

من قلب ركام الدخان والرماد والدماء والأحجار، سيخرج غد جديد، لسنا نشك في هذا.. غد نقي نقاء قلوب أبناء النيل.. غد يضرب جذوره في تضحياتهم.. في صمتهم الذي طال، معجوناً بالصبر، في حزنهم الممتد كليلٍ طويلٍ هادرٍ ليس له آخر.

وفي سنا فجر الغد، سنقرأ.. لا شك، حقائق ناصعة عن حياة شعب من حقه أن يحيا حياة أفضل، لأنه يستحقها عن جدارة، بفضل تاريخ من التضحيات التي قدمها في صمت متشح بالنُبل.