حققت مجلة «العربي» الكويتية الرائدة أمنية طالما تطلع إليها الكثيرون، على امتداد العالم العربي، عندما نجحت، أخيراً، في جمع شمل حشد كبير ومتميز من الباحثين والاختصاصيين العرب، في إطار ندوة فريدة من نوعها، حملت عنوان «العرب يتجهون شرقاً». كان الجوهر الحقيقي الذي انصبت عليه جهود المشاركين في الندوة هو الدفع باتجاه المزيد من اتجاه العرب إلى مد جسور الحوار والعمل والتعاون مع الشرق الآسيوي، لا تبديل للجسور الممتدة غرباً، وإنما كخيار مطروح وجهود إضافية تحقق تكامل ما فيه الصالح العربي. وقد تميزت أعمال الندوة وبحوثها ومساهماتها ومناقشاتها بالثراء والعمق والحرص على التماس مع الواقع العملي، كما تترجمه الأحداث والوقائع والأرقام. ومن المحقق ان الكثيرين، ممن تابعوا هذه الندوة الفريدة، قد توقفوا عند مساهمة الباحث جمال غطاس، التي اتسمت بالطابع العلمي والمقارنة التي تدعمها الإحصاءات والأرقام بين نتائج التعاون بين دول عدة في عالمنا العربي وعدد من الدول الغربية، حيث بدا بوضوح ان التعاون الأميركي ـ المصري في مجال البحث العلمي ليس إلا جهداً أميركياً صرفاً استهدف الإحاطة بكل ما يمكن الحصول عليه من معلومات عن جهود البحث العلمي المصري وأوعيته وقدراته، ربما كمقدمة للتحكم فيه وإدارة دولابه وشله وقت اللزوم من المنظور الأميركي.
وبالمقابل بدا واضحاً أن التجارب التي شملت التعاون بين الصين وأطراف عربية تعتمد على انطلاق الصين من أرضية الموارد المفتوحة واستعدادها لنقل التكنولوجيا الحديثة إلى الأطراف العربية التي تتعاون معها، من دون قيود أو شروط. وعلى الرغم من أن النموذج الصيني في التنمية حظي باهتمام كبير من جانب المشاركين في ندوة «العرب يتجهون شرقاً»، إلا أن العديد من الباحثين المشاركين في الندوة، وفي مقدمتهم الباحث اللبناني البارز دكتور مسعود ضاهر، الأستاذ في قسم التاريخ بالجامعة اللبنانية، ألقوا ضوءاً قوياً على تجربتي التحديث اليابانيتين والإمكانات الرحبة لاستفادة العرب من الدروس المكتسبة منهما. واتسمت الندوة بحضور العديد من الباحثين، من الهند والصين بصفة خاصة، الذين يتحدثون اللغة العربية بقدر مدهش من الدقة والاتقان، وكان لهم دور هائل في إثراء مناقشات الندوة.
وعلى الرغم من ان ظروف بعض الباحثين حالت دون حضورهم، وبالتالي دون تحقق ما خططت له «العربي» من شمول الندوة لجوانب فنية متعددة، كالعمارة والفن التشكيلي، إلى جوار الموسيقى، إلا أن ذلك يلقي الضوء على الثراء الهائل لحركة التثاقف العربية ـ الآسيوية حتى من خلال غياب لمحات من هذه الجوانب.
وكان من الطبيعي ان تتعدد المناقشات حول حوار الحضارات، وحول الترجمة كأداة لتأصيل هذا الحوار، ومن هنا جاءت الأهمية الاستثنائية لمساهمة د. جابر عصفور، مدير المركز القومي للترجمة في مصر، الذي حرص على التأكيد على ضرورة التنسيق بين مراكز ومعاهد ومنظمات وبرامج الترجمة على امتداد العالم العربي، وبادر إلى الإعراب عن استعداده لتبني تنفيذ اقتراح دكتور سليمان العسكري رئيس تحرير «العربي» بعقد اجتماع لقيادات هذه المؤسسات، ليتم التنسيق بين جهودها وإعداد قاعدة بيانات شاملة لما تقوم بترجمته، والتوصل إلى اتفاق على حد أدنى من التخصص فيما تقوم بترجمته من أعمال. ومن الطبيعي ان ندوة على هذا المستوى الرفيع من التنظيم والثراء في المساهمات كان لابد لها من أن تحظى باهتمام الجميع في الكويت، حيث تحولت إلى ساحة للقاء والحوار والنقاش والاقتراحات والتخطيط للبرامج وللعمل المستقبلي. ومن المهم الالتفات إلى ما شدد عليه دكتور إبراهيم العسكري من أن الندوة، على أهميتها، ليست حدثاً انطلقت فعالياته ومن ثم انقضى، وإنما ستحرص «العربي» على متابعته بكل الوسائل الممكنة لتحويل توصياته إلى واقع ملموس ومؤثر ومفيد، وهو ما يتطلع الجميع إلى حدوثه اليوم قبل الغد.