لا أحد يستطيع تجاوز ما يجري في منطقتنا العربية مهما كانت الحساسيات تحاصر الانفعال العاطفي والتحليل العلمي. ما يجري يتسلل حتى إلى لقمة الخبز وساعات الخدر قبل المنام. هنا متطلبات الحياد المطلوب في لحظات التجييش الانفعالي، تملي الملاحظات التالية:
؟ تونس كانت الشرارة، لكنها المفاجأة بامتياز، ومكمن ذلك هو الشهرة غير العادية للقبضة العسكرية ـ الأمنية لنظام زين العابدين بن علي، وما شاع عن «خنوع» جماهيري، يبقي العقد السياسي ـ الاجتماعي المفروض لتركيبة النظام هناك، شبه أبدية أو مربوطة بالقدر وآجال الإنسان. ما حدث هو استعداد الشعب للموت، والأهم، ذلك التنظيم العجيب لحركته الانتفاضية في الشارع.
؟ الساحة المتوقعة التالية كانت الجزائر، لكن المفاجأة عادت مجدداً حين أطلت من أرض مصر. وهنا توالت المفاجآت، وعلى رأسها أيضاً ذلك التنظيم العجيب لحركة الجماهير، رغم تعطل وسائل الاتصالات، والأخطر هو تلك الروح المتحدية التي تجاوزت قبضة تشكيلات الأمن المتمرسة في فنون التعامل مع التحركات الشعبية، وتحدي قرارات حظر التجوال والتمسك بسقف هو الأعلى على الإطلاق من تغيير إصلاحي إلى تغيير جذري يطال حتى الدستور.
؟ عودة النزاع على السلطة إلى الشارع اليمني بين الحكم والمعارضة، وإن كانت حركة الجماهير هناك محكومة بالتناقضات الاجتماعية الموزعة بين شمال وجنوب، وتناثرات طائفية تضافرت في شكل الصراع المسلح.
؟ تظاهرات ناعمة في الأردن، قوبلت بقبضة أمنية دبلوماسية أكثر نعومة، تعكس بعداً ملحوظاً لحركة الشارع عن الحدة المحتقنة، بينما تعكس أكثر قناعة عامة بتوافق اجتماعي سياسي على خط أحمر لا ينبغي تجاوزه، يتمثل في بقاء الحال على ما هو عليه مع إصلاحات داخلية لجهة مواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية.
؟ بروفات مطلبية متوزعة هنا وهناك، وتحسبات مسبقة من كلا طرفي العقد الاجتماعي (الشعب والحكم).
من كل ذلك، يذكرنا علم السياسة بأن 30٪ من الجماهير إن تحركت، حلّ التغيير الجذري التام، لكنه يذكرنا أكثر بأن الضمانة الحيوية لنجاح أي تحرك شعبي هو التنظيم، بمعنى أن تتقدم قوى المجتمع المنظمة من أحزاب ونقابات وجمعيات، وفق منهجية برنامجية مطلبية واضحة تحمل حلولاً شافية، لتقود هذه الحركة وتوجهها لمسارات تحافظ على الأساسات الضرورية لأي دولة (الأمن، الحدود، المؤسسات الحساسة)، ومن ثم بلورة النظام الجديد.
إن بقيت حركة الشارع عفوية، وقعت نهباً للاجتهادات الارتجالية، عديمة الخبرة في تقنيات الحكم واللعبة السياسية والقوانين الاقتصادية.
على كل ما تقدم، لا أحد يمكن أن يلوم جائعاً على الصراخ في الشارع، لكنه إن كان معنياً بأن يأكل في نهاية الصراخ، فعليه أن يحضر بدائله قبل البدء بالصراخ، وإلا بات عليه مواجهة معضلة أشد من الجوع، هي الأمن الذي هو الغريزة الأولى المرتبطة بالبقاء. هناك درس حقيقي تكتبه الجماهير الآن مجدداً على صفحات التاريخ، درس يتركز في فضيلة الإصغاء: إصغاء الراعي لأنين الرعية، وإصغاء الرعية لمصالحها الحقيقية. لكن لنتذكر: كولن باول أطلق من وزارة الخارجية الأميركية قبل نحو ثماني سنوات، «خطة دمقرطة الشرق الأوسط» وتغيير بناه السياسية وحتى حدوده الجغرافية، وبعده أطلقت إدارة جورج بوش ـ كوندوليزا رايس مفهوم «الفوضى الخلاقة» في المنطقة، فأي مصادفة تاريخية تحققت الآن بين هذه المخططات والإرادة الجماهيرية؟!