فجأة خرج من الزقاق أميركي بملابس رثة، مشهرا سكينه على رجل يرتدي حلة فاخرة، وصرخ فيه: هات مالك. صدم الرجل الفاخر ورد الصرخة بأخرى مستهجنة: ألا تعلم أنني سيناتور، عندها قال الرث: إذن هات مالي!

هي طرفة يتداولها الأميركيون في معرض تصوير حال السياسات الاقتصادية التي يقرها ممثلو الشعب بمجلسيهم؛ النواب والشيوخ، والتي وجدت صداها في تلك التسهيلات التي تمتع بها المدراء التنفيذيون في «وول ستريت»، والتي يقول الخبراء إنهم العامل الرئيس وراء الأزمة المالية العالمية.

لكن قلة من هؤلاء «السيناتورز» الذين يقبضون على ضمائرهم كالجمر، صرخت وحرضت الناس على رفض إخلاء منازلهم، إبان أزمة الرهن العقاري الشهيرة التي كانت شرارة اندلاع الأزمة العالمية، هؤلاء رفضوا رؤية الناس العاجزين عن دفع أقساط منازلهم يرمون في الشارع مع أطفالهم، بل ويتحملون تكاليف إخلاء وتنظيف هذه المنازل.

في تلك الحقبة، أي قبل نحو عامين، قاد المخرج الأميركي الشهير مايكل مور، شاحنة إلى أشهر البنوك الأميركية، وحاول اقتحامه لاسترداد جزء من ‬700 مليار دولار أقرها الكونغرس الأميركي لمساعدة المتعثرين من المصارف والمؤسسات المالية الضخمة، بينما لم يتحرك قيد شعور واحد لإنقاذ أي من الأسر المشردة ضحايا الرهن العقاري.

مناسبة هذا الحديث، ببساطة أن العولمة من المنظور الأميركي تأخذ منها فوائدها وترمي على الآخرين شوائبها، ومن هنا كان الرفض العفوي للمفهوم العالمي الجديد للشراكة بين الشعوب.

قبل بضعة شهور تحدثت عن أن آثار الأزمة المالية العالمية تحتاج لنحو عامين من تاريخ حدوثها لكي تبدأ تبعاتها بالظهور، لأن المدخرات الفردية أو الجماعية تكفي لنحو عامين، وها هي بدأت فعلا من تونس إلى الجزائر وحتى إلى أوكرانيا وألبانيا.

علم الاقتصاد لديه دوما التحليل المبسط والمصيب، أسعار السلعة تتحدد وفقا لندرتها، وهو ما يفسر سعر الذهب المرتفع مقارنة بسعر المياه، رغم أن لا حياة من دون الأخيرة، وهو أيضا ما يفسر إدراج البصل في فئة الجوائز في الهند، بعدما عز على «الكاري» التغطية على العجز في حصاد البصل.

وهنا لا بد أن نتذكر أن العم سام يحتكر مادة القمح الاستراتيجية، مع مزاحمة بسيطة من روسيا التي عانت قبل شهور من خراب في محصولها، فاكتملت رمزية اللهاث وراء رغيف الخبز لدى الغالبية الساحقة من البشر، الذين انتقلوا إلى مرحلة خطيرة من المشكلة الاقتصادية عنوانها الأمعاء الخاوية، وما يعادلها من موجة الانتحار حرقا.

هذا الارتفاع الجنوني للأسعار، بالتأكيد مرده لما بات يشبه ندرة المواد الغذائية تحديدا، بعدما هجر الآدميون أراضيهم الزراعية نحو ألعاب الفيديو والتجارة الوهمية العاقر، وبات الاقتصاد الإنتاجي مجرد مادة دراسية أشبه بالتاريخ الغابر.

نعم هناك نمو جنوني في عدد السكان، وتكفي نظرة واحدة إلى الصين والهند لندرك أنها مسألة وقت قبل أن يحل الانفجار السكاني، لكن الأرض والموارد الطبيعية إلى جانب توظيف سليم للتقدم التكنولوجي، كل ذلك كفيل بإطعام الأفواه الجديدة، القادمة إلى عالم بات مقلوبا على رأس الغالبية الساحقة من سكانه.