وقفنا جميعاً مذهولين، لسهولة انهيار دولة جبارة بنظامها وجيشها وما يمكن تسميته اقتصادها، فور دخول طلائع القوات الأميركية بغداد. طاب لـ«مفكرينا» الركون إلى فرضية الأنظمة الورقية، لتفسير ما جرى ورده إلى مستوياته السياسية بأشكالها التفردية والاستبدادية. وأخال أن يلجأ المفكرون إياهم إلى ذات المرجعية الفكرية في تفسير الجاري في تونس، التي يعيش أكثر من نصف شعبها ـ طبقاً لبعض التقديرات ـ في براثن البطالة وما يلازمها من ارتفاع جنوني للأسعار، غير أن الصورة مشوشة، ولم يعد مجدياً استمراء ذات التحليل كمرجعية واحدة لدول متعددة الخصوصية. سهل جداً تحميل كل الأزمات والانهيارات إلى المستوى السياسي في أي دولة عربية، وتعداد أسباب التأزم الاجتماعي الاقتصادي كجوانب للاستبداد والفساد، وغيرها من الكلاشيهات التي انتشرت مع إطلاق خطة دمقرطة الشرق الأوسط من قبل وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول، لكن ذلك لن يفضي إلا إلى إعادة إنتاج الوعي الوهمي السياسي، وهرمه مقلوباً ومتأرجحاً بين التيارات والاجتهادات العقيمة.
العلم يقول بمستويين؛ الأول يتعلق بالبنية التحتية، وهي الاقتصاد تحديداً بقواه وعلاقاته الإنتاجية. أما الثاني فيتعلق بالبنية الفوقية، التي يتركز فيها المستوى السياسي بمؤسساته الحاكمة وسلطاته التنفيذية والتشريعية والقضائية. إذاً، الاقتصاد هو الأساس وليس السياسة، ورد كل الأمور إلى السياسة يعني تجاهل الأساس نحو البنية الفوقية، ما يعني أن كل ما ينتج عنها يبقى خفيفاً تؤرجحه الريح في كل اتجاه، وخاصة نحو الانهيار.
مهما كان النظام السياسي قوياً ولديه قبضة أمنية وعسكرية قوية (كالنظام العراقي السابق)، ومن دون أن يمتلك اقتصاداً قوياً وعجلة إنتاجية صلبة، فإنه لا بد مواجه انتفاضة أمعاء خاوية، ولا سيما أن لا آدمي يمكن أن يقنع بالشعار ويردده عالياً، وأوتاره الصوتية مرتخية جوعاً! ولنا في ما يجري في العالم عبرة: الأزمة المالية العالمية ضربت كل الاقتصادات الأرضية، وشهدنا دولاً كأيسلندا أفلست، ودولًا على شفير الهاوية كاليونان، ومسيرات وإضرابات عمالية في أعتى الاقتصادات كبريطانيا وفرنسا، لكن النظام السياسي لم يتفتت انهياراً، بل سارعت الأنظمة السياسية نفسها إلى تدارك الخلل، عبر تغيير السياسات واجتراح الحلول. لماذا ذلك؟ ببساطة، لأن هذه البلدان تمتلك قاعدة اقتصادية إنتاجية صلبة، قادرة على الدوران في غير اتجاه، وصولًا إلى الوجهة الصحيحة، أما بعض نماذجنا العربية التي غيبت طويلًا أولوية بناء الاقتصادات الحقيقية لحساب البنية الفوقية السياسية، فإنها لا تمتلك حلولاً ولا خيارات، ما يفتح احتمالات التغييرات الراديكالية وحزم حقائب اللجوء السياسي.
ما يجري في تونس وغيرها من بعض البلدان العربية، يبرز أهمية التحرك الجاد والسريع لإعادة الهرم إلى قاعدته الواسعة والمتينة، والالتفات المسؤول إلى تمتين البنية التحتية الإنتاجية، ضمانة للخروج من عنق زجاجة الأزمات الاقتصادية، ومن بعدها تأتي البنية الفوقية السياسية، وتحديداً لجهة البدء في ثورة إدارية في مؤسسات الدولة، وتفعيل أجهزة الرقابة على المال العام لضمان ترشيد إنفاقه وتعظيم عوائده، وهو ما يتمخض تالياً عن نظام سياسي مكين، قادر على التعامل مع كل الاحتمالات والأزمات.
معظم اقتصاداتنا العربية يعاني من أزمة هيكلية، بحسب علم الاقتصاد، أي استفحال البطالة والتضخم معاً، وهو ما يضع هذه الاقتصادات أمام امتحان إعادة صياغة عجلة الإنتاج بكل قطاعاته، أو مواجهة الحلول الراديكالية والفراغ.