لطالما عاينا أناساً مصابين اصطلاحا بالملل القاتل، ولأن الإنسان بطبعه ملول، فإن هذا الطبع قد يتحول إلى آلية إفناء. أوضح مثال هو الشخصية السويدية التي اقتنعت أخيراً أنها استنفدت كل أشكال الحياة الواقعية والخارجة عن المألوف، ولم يتبق أمامها سوى الانتحار، الذي يقول علماء النفس إنه وسيلة دفاع بيولوجية في بعض الأحيان، للخلاص من أزمة طاحنة، وأحد أشكاله أو مقدماته الاكتئاب القاتل، كما هو الحال مع نجل شاه إيران وقبله شقيقته.

غير أن الانتحار ليس هو أخطر تبعات الملل القاتل، بل فن صناعة الموت.

المعلوم أن الأسلحة هي عنوان الصناعات العسكرية، أو كما يحلو للقاموس الإنساني دعوتها بالدفاعية، وبعدما أتت جينات «نوبل» الانفجارية على كل أشكال مقذوفات الدمار، تسرب الملل الممزوج بالنفس التجاري وفضاءات المخيلة الإبداعية، إلى هذه الصناعات، لتنتج أسلحة غريبة تبدو للوهلة الأولى طريفة.

فهل يعقل أن تكون «العلكة» أو «اللبان» سلاحاً؟ هذا معقول عند الإسرائيليين الذين جعلوها مخزن كافيين منبه، يساعد الجنود على البقاء يقظين ومستنفرين وجاهزين لارتكاب الجرائم بكامل الوعي وبرودة الدم، خلال المعارك الطويلة. قبل هذا السلاح، بادر الإسرائيليون أيضاً إلى اختراع غازات مهيجة للأعصاب، لكن الجنسية منها، ما يشوش منظومة «العدو» الحسية، لتختلط الغرائز لمصلحة الشعار الغربي «مارسوا الحب لا الحرب»، وعلى أساس بعض مخرجات علم النفس الموظفة ضد النفس، عبر ضرب غريزة الأمن الأولى لدى الإنسان، بغريزة أو غرائز أخرى، فيخف التوتر.. ولطالما لاحظنا إبان الحروب، كيف زادت محطات التلفزة الإسرائيلية من جرعة الجنس في أفلامها وبرامجها، لتخفيف التوتر وحالات الانتحار لدى العبرانيين.

في أفغانستان، تناقل بعض وسائل الإعلام أن حركة «طالبان» تعكف على تدريب قرود من أنواع شرسة كـ«البابون»، على قتل الجنود الأميركيين، عبر تدريب هذه القرود حتى على استخدام رشاشات «كلاشنكوف» فور مشاهدتها للزي العسكري الأميركي، وهو ما يذكرنا أيضاً بالمشروع الأميركي القاضي باستخدام حيتان «الدولفين» في اصطياد أو تفجير الألغام البحرية. هذا الاجتهاد يذكرنا بالموروث من الحروب التقليدية القديمة في القرون البعيدة، حين كانت الخيول والفيلة والثيران، وحتى الأسود والنمور، تشكيلات أساسية مقاتلة في الجيوش. بعض الشائعات تحدث حتى عن استخدام البعوض والحشرات ضد الجيوش المعادية، بعد تسليحها بفيروسات أو بكتيريا قاتلة.

الأسلحة الغريبة ليس منبعها الملل فقط من الأسلحة التقليدية، بل محاولة الخداع والالتفاف على القيود المعهودة على إطلاق قوى الفتك، من فتيل متفجر في حذاء، إلى استخدام مواد غذائية في صنع القنابل، وطرود بريدية ملغومة، وغيرها، مما يجعل قائمة خيارات القتل تفوق بأضعاف سبل النجاة والحياة..

شر البلية المضحك، هو استخدام المألوف في غير ما هو مألوف من أساليب النزاعات والصراعات بين بني البشر، وليس المقصود هنا مثلاً حجب منبع مياه نهر ما، أو إطلاق قطعان الخنازير على المزروعات لتدمير الاقتصاد، ومثله رش مبيدات أو مواد كيميائية تسمم التربة وما تنبته، بل المضحك يكمن في السؤال: إن كان إقدام باكستان على منع تصدير البصل لجارتها اللدودة الهند، هو من باب الحرب المعوية؟