لم يكن من قبيل المصادفة أن تطلق إسرائيل اسم «لوفاثيان» أو «الوحش» على حقل الغاز العملاق الذي اكتشفته وتزعم أنه يقع ضمن مياهها، على الرغم من أنه يقع على بعد ‬129 كيلومتراً، أي ‬80 ميلاً من ساحل فلسطين الشمالي، وبالتالي يقع داخل المياه التي لم يتم تحديد الحدود عبرها ولا ترسيمها بين فلسطين ولبنان.

نقول إن ذلك الاسم لم يأت من فراغ، ولم يتم إطلاقه بمحض المصادفة، وإنما اقترن بمؤشرات بالغة الأهمية، فالإعلان عن الحقل الذي يعتقد أنه يضم ‬450 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، أي ما يكفي احتياجات إسرائيل لمدة تسعين عاماً، جاء عقب الإعلان، فجأة ومن دون مقدمات، عن الاتفاق بين إسرائيل وقبرص على الحدود البحرية بينهما.

وهذا الإعلان اقترن بمظاهرة ترهيب وتهديد احتشد فيها ولها المسؤولون الإسرائيليون، وتوّجها عوزي لانداو، وزير البنية التحتية الإسرائيلية بإعلانه أن إسرائيل لن تتردد في اللجوء إلى القوة لحماية ما سماه احتياطياتها من الغاز.

والكشف عن أن هذا الحقل، الذي لن يتم تشغيله قبل عام ‬2017، تقدّر قيمته بـ‬95 مليار دولار، اقترن بالإعلان عن أن شركة أميركية، هي شركة «نوبل إنيرجي» تمتلك ‬40٪ من المشروع بكامله، أي أكبر نصيب مفرد فيه.

ويقول المراقبون إن حقل «الوحش»، يمكن أن يفتح الآفاق أمام إسرائيل لتصدير الغاز إلى أوروبا، حيث إن العديد من دول القارة تتطلع إلى خفض اعتمادها على الغاز الروسي.

في غضون هذا كله، علينا أن نتذكر أن هذا الحقل لم يطل فجأة، كأنما صدر عن المجهول، وإنما البحث عن الغاز فيه يتم منذ فترة ليست بالقصيرة، وقد بلغ عمق التنقيب في القاع ‬1,6 كيلومتر، وتداولت الشركات والمؤسسات والهيئات المعنية بالنفط والغاز التقارير عنه، منذ ما يزيد على العام.

المدهش حقاً أنه ما من دولة أو منظمة أو هيئة عربية واحدة أبدت اهتماماً أياً كان نوعه، بهذا الوحش الذي يطرق الأبواب العربية، معلناً عن شكل آخر من أشكال النهب، الذي تتعرض له الثروات الطبيعية العربية على يد إسرائيل، بعد نهبها للأرض والمياه على امتداد أراضٍ عربية شاسعة.

وحده «حزب الله» بادر إلى التحذير من النهب الإسرائيلي الوشيك لحقوق لبنان في مياهه.

ومن بين السياسيين العرب جميعاً انبرى نبيه بري، بصفته البرلمانية، للتساؤل عمّا إذا كان «الاستكشاف» الإسرائيلي يتم في المياه اللبنانية من عدمه.

وفي اعتقادنا أن سياسة الانتظار إلى أن يتم اقتحام الأبواب قبل أن تبحث وسائل المواجهة، وهي السياسة التي اتبعها العرب طويلاً، لم يعد من الممكن اعتمادها في مواجهة تطور على مثل هذا القدر من الخطورة.

يكفي أن تتذكر في هذا الصدد ما قاله لانداو عن «الوحش»، حيث بادر إلى تأكيد أنه «اليوم نتلقى أهم خبر عن الطاقة منذ تأسيس إسرائيل». ويكفي أيضاً أن نتذكّر أن الأسعار في بورصة إسرائيل حلقت عالياً مع الإعلان عن هذا الكشف.

لقد راهنت إسرائيل، تاريخياً، على أن جرائمها ضد العرب ستمر، مهما كانت جسامة عواقبها، لأنهم نادراً ما يبادرون إلى الرد، وإذا ردوا، فإن ذلك نادراً ما يكون بحجم العدوان.

وفي اعتقادنا أن التصدي لـ«الوحش» الإسرائيلي هذه المرة، ينبغي أن يكون بحجم هذا العدوان الخطير، فهذا التعدي على المياه الإقليمية والاقتصادية اللبنانية ليس عدوناً على لبنان وحده، وإنما هو عدوان على العرب جميعاً، يجب أن يتصدوا له بفاعلية واقتدار.