عام آخر، لا مراثي ولا تفاؤل بآخر جديد، فالعملية أضحت مملة حد التأفف من التوقيت الميلادي، الذي لا يعني سوى الثقل لعامل النظافة المتلفع بكل ما يملك، لمواجهة برد ليلة طويلة يحتفل بها الجميع ويتركون له أرطالا من القمامة.

لكن هو المعتاد الذي يجبر الإنسان منذ ربط بمواقيت، على محاولة درس العام، والاتعاظ كما هو معمول في الوعي التقليدي البشري.

لكن ماذا لو كان الرابط غير منطقي البتة، هل يحدث أي فرق؟

يمكن استيعاب مسألة احتفال الآدمي بانقضاء عام من عمره، بقليل من النظرة نحو الأمام يمكن استيعاب ذلك، لكن مع بداية كل عام نحاول تفادي بعض الأسئلة العابرة للأعوام، بل القرون:

لماذا ذاكرة التاريخ لا تحتفظ بمليوني أسود قضوا في عرض البحر على طريق تجارة الرقيق التي كانت البرازيل مركزها؟ ولماذا أيضا لا يحتفظ بملايين الغجر الذين أبيدوا بوحشية أينما حلوا، لمجرد أنهم مختلفون، ولا يحلم واحدهم سوى بالغناء أمام خيمة تنسدل حولها جدائل حبيبته الحالمة بوجبة ورقصة في ضوء القمر؟ وبعيدا عن رومانسية الأسئلة الآنفة، لماذا لا يقف التاريخ قليلا ليتأمل اختلاف معنى البحر: لدى المستعمرين هو طريق الفتوحات والخيرات، ولدى المضطهدين أو المستضعفين هو عنوان للتيه منذ أوديسيوس وحتى الفلسطينيين.

هل يحدث هناك أي فرق بين عام انقضى وآخر أتى، أمام مثل هذه الأسئلة؟ لا فرق طبعا، غير أن للفلسطينيين معنى مختلفا بعض الشيء، لارتباط الأول من يناير ببداية العام ‬1965 حين انطلقت أولى رصاصات ثورتهم المعاصرة، على غير نصائح حتى أقرب حلفائهم في العالم.

منذها إلى الآن، لم تصل قضيتنا المركزية في المنطقة إلا إلى حالة من التردد بعد التردي، أوضح صورها ذاك الارتباك الحاصل في موقف السلطة الفلسطينية، ما بين إلقاء الملف على طاولة مجلس الأمن والإقدام على مغامرة إعلان الدولة المستقلة من جانب واحد، وترك المجتمع الدولي يتولى «تحرير» أراضي الدولة المعنوية، أو إعلان حل السلطة الفلسطينية وإلقاء تبعات كل الشعب الفلسطيني على عاتق الاحتلال ومن ورائه المجتمع الدولي نفسه، الذي كان تخلص من «المشكلة اليهودية» على حسابه.

في الذكرى السادسة والأربعين لانطلاقة الثورة المعاصرة، لم تستطع القيادة الفلسطينية أن تعد بأي شيء سوى عدم الإقدام على مغامرة الدولة من جانب واحد، وعلى النقيض لم تقدم حركة «حماس» باعتبارها معارضة، أي حلول باستثناء التأهب لمحرقة جديدة في غزة، بعدما نثرت تصريحات عن قبولها بدولة مؤقتة الحدود.

إذن، ماذا تعني المواقيت للفلسطيني، الذي يعيش ما يشبه الــ«شيزوفرينيا» في الشتات: حنين وجداني إلى الوطن، وإعادة صياغة عقلية وعاطفية لمصلحة أماكن اللجوء وطول البقاء؟! كلما طاب للفلسطيني أن يقول لأخيه في المناسبات «كل عام وأنت بخير»، يتبعها فورا بجملة «من العائدين إن شاء الله»، لكن إلى أين؟ إلى البيت الملتبس أم إلى طريق البيت الواضح؟

هي معضلة محمود درويش في القصيدة، لكنها أيضا معضلة شعب على الأرض: أين يعود؛ إلى أرقام ‬48، أم ‬67 أم إلى عرض البحر، ليكتب نشيد التيه من جديد؟!