«بما أننا نعيش مرة واحدة، فلتكن مغامرة إقدام تستنفد كل قوانا.. الكون كله هو خصم يستحق المبارزة، وعندما يحمل الرجال وهم في قمة عنفوانهم قناعات وقيماً، فعليهم أن يتصرفوا وفقاً لها وينفذوها.. العدالة، نحن نريد أن نعيش في عالم تظلله العدالة».. هذه بعض عبارات جوليان أسانج، مؤسس موقع ويكليكس، والتي يحفر بها طريقاً ثالثاً للتمرد تتقاطع عنده رؤية سبارتاكوس، حينما أتوا له بحصانه على أرض المعركة، فقال: «لو انتصرت سأجد خيولاً أحسن عند العدو، وإن هزمت لن أكون في حاجة له»، ومقولة أفلاطون «ندفع ثمن اللامبالاة تجاه الشأن العام بأن يحكمنا رجال أشرار». أسانج رجل مبهر، عرف مبكراً وحشية المطاردة فلم يعد يهابها، إذ أمضى طفولته متخفياً ومتنقلاً كالرحل، حيث أدى نزاع بين أمه وعشيقها إلى هروب أسرته الصغيرة من مكان إلى آخر طوال ‬5 سنوات، لدرجة أنه تنقل بين سبع وثلاثين مدرسة.

كبر المطارَد قليلاً واكتشف موهبته في القرصنة المعلوماتية كمراهق، فقبضت عليه شرطة ملبورن الأسترالية، ثم كبر أكثر وتمرد على دراسته الجامعية في الفيزياء والرياضيات فلم يتمها، واختار أن يتفرغ لابتكار نظام تشفير لحماية نشطاء حقوق الإنسان حول العالم، ثم كبر أكثر وأكثر ليواجه العالم كله وحيداً ويصبح سبارتاكوس العصر.

بعض الناس يعتبره من الوشاة الطيبين، كما هو حال مردخاي فعنونو، الذي كشف أسرار الترسانة النووية الإسرائيلية، وبعضهم يعتبره بطلاً يجب أن يحميه الأحرار في العالم بحدقات عيونهم، وقد نال جائزة منظمة العفو الدولية عام ‬2009، لأنه كشف عمليات الاختفاء القسري والإعدام الجماعي بلا محاكمة للمعارضين في كينيا، أما حينما كشف وثائق البنتاغون والخارجية الأميركية التي تعري القوة العظمى الوحيدة من ورقة التوت، فقد أصبح موضوعاً على القائمة الحمراء للإنتربول الدولي، بذريعة التحرش بفتاتين قاصرتين في السويد.. وفجأة يصبح المعتبر بطلاً لدى الجهات الغربية «إرهابياً يستخدم التكنولوجيا»، على حد وصف جو بايدن نائب الرئيس الأميركي، و«يجب قتله دون محاكمة» على نحو ما ألمح أحد المستشارين السابقين لرئيس وزراء كندا، ما دعا أسانج إلى التساؤل قائلاً: من هم الإرهابيون إذاً؟

ويكليكس اليوم احتل مكان القاعدة على رأس قائمة التهديدات العالمية، وأسانج اغتصب دور البطولة من أسامة بن لادن.. فأصبح موقعه وشخصه مطاردين، فأستراليا تفتح تحقيقاً جنائياً في أنشطته، وتلمح إلى إمكانية إلغاء جواز سفره، والإكوادور تتراجع عن خطوتها العنترية بعرض استقباله وتلعق كلامها بعد أقل من ‬24 ساعة، والمخابرات الروسية تعرض فتح خط معه باعتباره عدو خصمها السابق، لكنه لا يريد أن يكون أداة، والموساد يتتبعه عن بعد، إذ إن لديه وثائق تفضح حرب الصيف البشعة ضد لبنان، وشركات بطاقات الائتمان فيزا وماستركارد و«باي بال»، تمنع وصول التبرعات له ولموقعه أملاً في خنقه مالياً، ووزارة العدل الأميركية تحاول تكييف قانون مكافحة التجسس الساري منذ عام ‬1917 وتعديله، حتى تخلق ذريعة قانونية لتقديم طلب بتسلمه، لأن الذريعة السويدية غير كافية.

ومن العشيق الذي يطارد أمه ليستبيح جسدها، إلى عشيق أكثر سطوة يستبيح العالم، تمضي حياة أسانج راقصاً فوق فوهة بركان.. لكن من قال إن المخاطر تخيف الرجال؟ كما يقول أسانج: تولد الشجاعة شجاعة، وتعتقل السلطات الطاغية من تتصور أنه سرب المعلومات، فيولد ألف غيره.. يجدون في أنفسهم القدرة والاحتمال على أن يكونوا رجالاً.

على خطى مارتن لوثر كنغ ومانديلا، يسير جوليان أسانج.. نحو صناعة عالم جديد.. يزعجه ويزعجنا أنه كلما تقدم هذا العالم خطوة للأمام ارتكس ألفاً للوراء.. وبينما كانت القطبية الثنائية تقهر نصف العالم (على حد ما صورت صحف الغرب)، أصبح القطب الواحد يقهره كاملاً.. وفي صمت..

بوركت خطواتك يا أسانج، ولا نامت أعين الجبناء.