ليس جلدا للذات كالمعتاد، لكنها محاولة لفهمها، أو جلدها بسوط (بصوت) آخر.
نبدأ بالتساؤل الحق: هل تعي الدول العربية مصالحها؟
موجبات التساؤل الحامل للإجابة بعد طول اختبار لحالة العجز لدينا، هو ما ورد أخيرا بشأن اتفاق إسرائيل وقبرص اليونانية على ترسيم الحدود البحرية، واستنزاف حقول الغاز المكتشفة أميركيا حديثا.
الجزيرة القبرصية المقسمة تبعد عن حدود العالم العربي أقل من المسافة الجغرافية بين بعض الدول العربية، وفي الوعي السياسي والاقتصادي تبعد عنا مئات ألوف السنوات الضوئية، حتى انه لا نظام عربيا أدرج هذه الجزيرة المتاخمة لنا على أجندة أوقات فراغه، بينما إسرائيل لم تغفلها ثانية واحدة، بل حولتها في أحايين كثيرة إلى ساحة تصفيات وتجسس علينا، ومن ثم سارعنا للتنديد واستجلاء الموقف فور إعلان الاتفاق البحري.
نعلم دوافع تركيا الإعلامية من وراء التصعيد الخطابي ضد إسرائيل، وهو هذه المرة ينم عن جدية، لا على شاكلة الغضب الهوليوودي من الدولة العبرية على خلفية قضايا عربية في فلسطين ولبنان، فهذه المرة ما جرى يمس المصالح التركية التي تعيها أنقرة جيدا.
منذ عامين فقط، كانت تركيا لاعبا أطلسيا بامتياز، وعلاقات التعاون العسكري على أشدها مع إسرائيل، وكل ذلك على أمل أن تستخدم واشنطن وتل أبيب نفوذهما لدى الاتحاد الأوروبي لضم تركيا، لكن هذا الحلم تبخر مع انكشاف «القومية الأوروبية»، أو بالأحرى العصبية الأوروبية المتطرفة لجهة عدم القدرة على التعايش مع واقع أن تكون أكبر دولة سكانيا في الاتحاد الأوروبي مسلمة.
إذن، عاد الفارس التركي من غزوته الدونكيشوتية خائبا إلى حظيرته الشرق أوسطية، وبدأ بعد قناعته الجديدة يرسم دوره كلاعب محوري في منطقتنا، أيضا على أساس حساب المصالح.
وعليه يثور أردوغان في وجه شيمون بيريز بسبب جرائم الإسرائيليين في غزة، لكن التعاون الاستخباري والعسكري لم يتوقف، أما الآن فإن غيوم القطيعة تتلبد في الأجواء بين تل أبيب وأنقرة، لأن مصالح تركيا في قبرص على المحك.
وبغض النظر عن اجتهادات القانون الدولي في احتساب الحدود المائية الاقتصادية لكل دولة، بين خط مستقيم أو مائل، وهو القانون الذي لا تعترف به إسرائيل، فإن موقف مصر ولبنان والسلطة الفلسطينية، يبقى خطابيا في مجمله، لفقدان الجهات الثلاث خيوط اتصال مع قبرص المغفلة عربيا، وطبيعي تاليا أن لا تأثير لها على إسرائيل، ومن ثم لا سبيل إلا اللجوء إلى المحكمة الدولية الخاصة بالحدود الاقتصادية البحرية، التي لا تعترف بها أصلا تل أبيب.
على أن من المفارقات الأفدح، مطالبة السلطة الوطنية الفلسطينية بالتحرك المضاد للاتفاق الحدودي البحري هذا، في حين تفتقر السلطة لأرض من تراب تقف عليها قبالة البحر! لا شيء يستوي في السياسة من دون مصالح، لكن الأهم هو وعي هذه المصالح، ومن ثم التحرك لتحقيقها أو على الأقل صونها، وهو ما بقي هجينا على قاموسنا العربي في انتظار نضوج الخطاب بعد الفعل.
الآن قبرص، وقبلها كان القرن الإفريقي، فآسيا الوسطى، والهند.. كلها مناطق حيوية لمصالحنا المفترضة، التي لم نأبه لمجرد التفكير فيها، بينما كانت إسرائيل أعدت خططا واستراتيجيات لها، فهل نحن جديرون حتى باعتلاء أي منبر دولي لنمطر العالم بشكاوى معتادة؟!