أصحاب الخبرة

تجديد الدماء مطلوب لإنعاش الحياة في كل المجالات. لا غبار على ذلك ولا اعتراض. ولكن الحياة بطبيعتها لا تتجدد بقطع حبل الأجيال وفطرة تواصلها. تسيل الدماء الجديدة بيسر وأريحية دونما حاجة إلى إفراغ الشرايين من محتواها لتصبح هواءً.

في كثير من المؤسسات والجهات تحدث تغييرات جذرية تطال معظم أو كل الإدارات والأقسام، بمجرد أن يأتي مسؤول جديد على رأس الهرم. يدخل هذا المسئول بافتراض أن كل الموجودين قبله في المكان إما منتهي الصلاحية أو معيقون لخططه. وفي معظم هذه الحالات يكون هذا المسؤول أو ذاك قد وضع قائمة جاهزة من المسؤولين والمديرين البدلاء، وربما أحدث تغييرات أوسع في الدرجات السفلى من الهرم، ليأتي بفريق جديد يختاره. لذلك تصدر الأحكام المسبقة على الموجودين أو أغلبهم قبل التعرف عليهم واختبار قدراتهم. وفي زحمة الأفكار المسبقة والانطباعات المغلوطة تذهب كفاءات مرموقة، وتفرغ العديد من الجهات من خبرات ذات تجارب ومعارف عالية، وتبدو عجلة العمل في المكان وكأنها تبدأ من المربع الأول.

ولهذا السبب ينتاب دورة العمل ضروب من التخبط، وتحدث أخطاء قد تكلف الكثير من النفقات والجهد والوقت لإزالة آثارها. وتخسر الدولة مهنيين محترفين كونوا خبرات تراكمية جعلتهم يحفظون المكان بتفاصيله الدقيقة، وعلمتهم الأيام والسنين طرقاً ومسالك ابتكار الحلول المطلوبة، وبذلت عليهم مؤسساتهم الكثير ليصلوا الى هذه المراحل من الخبرة والمعرفة. وفي كل الأحوال يكون المكان أو المؤسسة ومن ورائها الدولة هي الخاسر الأكبر من هذه التغييرات غير المدروسة.

التقارير الصحية الدولية الحديثة تؤكد مقدرة الإنسان على العمل والعطاء إلى ما بعد 60 سنة، وتحرص الدول المتقدمة على الاستفادة من أصحاب الخبرات الطويلة لدعم وإلهام القادمين الجدد، ولكن لبعض المؤسسات عندنا رأي آخر وتقييم مختلف جعل من بلغ الخمسين فاقدا للصلاحية، وعاجزا عن مواكبة التطور ومجاراة النظر إلى المستقبل. ولا شك في أن تعاقب الأجيال مسألة طبيعية، وفتح المجال للكفاءات والكوادر الجديدة والشابة ضرورة. ولكن هذا التعاقب والتحول لا يستدعي إفراغ المؤسسات من كل أصحاب الخبرات، وتوريط وجوه جديدة ربما تدخل الميدان لأول مرة، وتكون في أشد الحاجة إلى التعلم ممن سبقها. فكل تغيير أو تطوير ينشد الأفضل لا تخونه الفطنة بأهمية أصحاب الخبرة في انتقال طبيعي وسهل في دورة العمل وفكرها الإداري.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات