القدس وتبادل رمي الجمار

جرت العادة، بعد كل قرار صادم تتخذه الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني تجاه الحقوق العربية، والفلسطينية خاصة، أن تستعد الحكومة الأميركية لجملة من ردود الفعل العربية، الرسمية والشعبية، ثم ما تلبث أن تمتص الصدمة المضادة بعد أن تخف فورة الغضب والانفعالات الهستيرية.

وربما تتحمل الإدارة الأميركية خلال أيام بعض ردود الفعل والأسئلة «المحرجة» فتشغل آلتها الدبلوماسية لشرح ما لا يحتاج إلى شرح للالتفاف على أي فعل قد يخرج على النص. كانت تلك قراءة «قديمة» لتحليل مشوش للنفسية العربية، باعتبارها تعيش أضعف أزمنتها ولا تمتلك حيلة غير الصياح والنحيب حتى يبح صوتها.

وقد كانت هذه القراءة الخاطئة هي السبب في امتلاء الكثير من تلك النفوس اليائسة بالكثير من التراكمات والزفرات المحبوسة في الصدور إلى أن فجّرت غضبها عنفاً وإرهاباً ملأ العالم ضجيجاً وشراراً.
واليوم تواصل أميركا تقديم نفسها كوسيط غير نزيه في الصراع، ووصلت بالقضية إلى آخر محطاتها، واضعة مصير القدس الشريف في يد المحتل الإسرائيلي دون أن تطلب منه أي مقابل أو تنازل يتعلق بالحل النهائي، على حد تعبير الكاتب الأميركي توماس فريدمان.


ولكي لا ترتد ردود الفعل عليهم كما حدث في السابق، أدركت الدوائر الأميركية والصهيونية درجة الهشاشة في مواقف العرب والمسلمين، ومستوى ثقافة الانتقام من الذات لديهم، فوجهت الخطاب، عبر أدواتها الخفية، لتأجيج خطاب العتاب وتبادل الاتهامات بين الشعوب والدول العربية، وأمعنت.

كما فعلت يوم أشعلت فتيل فتنة الربيع الأسود، في تحريك غوغاء شبكات التواصل على الإنترنت، لتشبك العرب فيما بينهم، كل يرمي بالجمرة في حضن الآخر، ليصبح ترامب ونتنياهو متفرجين في الصفوف الأولى على معركة أشعلاها وسعيا للتنحي عنها جانباً.

وحدهم فلسطينيو الداخل لم يضيّعوا البوصلة، ولم يشغلهم غير الاحتلال. فتوحدوا عند جدران المدينة العتيقة وحولها، ورفعوا شعاراً واحداً يؤكد أن فلسطين هي الأبدية وما دونها من كل صور المشاريع الاستعمارية زائل بوعد لا يخطئ. ولذلك فإن مراهنة الأميركيين على تشتيت الرأي العام العربي، عبر إدارة المزيد من المنازلات والفتن، تبقى ثانوية في مقابل الرهان الفلسطيني على إرادة الداخل بأن إسرائيل والمستوطنات وكل المشاريع ذات الصلة ظاهرة تاريخية مؤقتة ستنتهي كما بدأت.


 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات