لكي يعود العراق

يتلمس العراق طريق العودة إلى محيطه العربي، بعد سنين من الجفاء والجفاف الذي فرضه الدور الأميركي الإيراني المزدوج. لكل منهما رغباته في هذا البلد العربي الكبير، ولكل منهما أجندته في السيطرة على مقدراته واستنزاف ثرواته، ولكل منهما أهدافه في تشكيل دولة عراقية تابعة تكون مطية لتنفيذ مخططاتهما في المنطقة العربية ومحيطها الإسلامي.

أميركا أرادت الانتقام من العراق، الدولة والتاريخ والدور، فقامت، كما قال بول بريمر أول حاكم فرضته أميركا على العراق بعد سقوط بغداد عام 2003، بإسقاط دولة سنيّة عمرها أكثر من ألف سنة، وفككت جيشه الذي اعتبرته يشكل خطراً على «إسرائيل»، ومزقت نسيجه الاجتماعي والوطني وحولته إلى كيانات طائفية وعرقية تتقاتل فيما بينها، وصممت نظامه السياسي ليكون نموذجاً لتركيبة الجغرافيا السياسية في كل الوطن العربي، ثم وضعت يدها على مقدراته متبادلة المصالح مع الطبقة السياسية التي جلبتها معها على ظهور دبابات غزوها العسكري.

أما إيران فقد عملت مع الأمريكان على أساس مبدأ «سلّم واستلم». فقد فتحت كل الأبواب أمام «الشيطان الأكبر»، وقدمت التسهيلات كي تخلصها قوات التحالف الغربي من عدوها اللدود في العراق، ثم ذهبت لتستلم غنائمها من الحرب. ومن باب الوصول إلى «العتبات المقدسة» كان الهدف السيطرة على كل مفاصل الدولة العراقية، وفرض الوصاية على القرار العراقي، ليكون العراق امتداداً لامبراطورية الولي الفقيه الفارسية، وممراً استراتيجياً للوصول إلى شرق البحر المتوسط وعاصمة الأمويين العريقة. فيكون الانتقام من الأوطان بقدر تحقق الثأر من التاريخ، وسد عقدة النقص والدونية التي ورثها سقوط عرش الأكاسرة الساسانيين بيد الفاتحين العرب.

وبعد 14 عاماً من التنازع بين المحتل الأميركي، والطامع الإيراني، وصنيعهما الإرهاب الهلامي، وجد العراق نفسه وحيداً تتكالب عليه الأكلة، ووصل الطمع بأراضيه وثرواته إلى داخله، ومن بين مكونات نظامه الذي صممه المحتل الأجنبي، وشعرت بعض قواه السياسية التي طارت به بعيداً عن محيطه وعمقه العربي بأنها قد طأطأت الرؤوس حتى كادت تتمرغ في الوحل. وبعد كل هذا السقوط المتواصل لن يمد للعراق أحد يده لينتشله غير أشقائه الذين عرفوا قدره وآلمهم حاله.

وإذا كانت تحركات رئيس الحكومة العراقية ووزرائه اليوم باتجاه أشقائهم العرب لكسر ذلك القيد الذي التف حول اليد العراقية مبنية على قناعة باستراتيجية الخيار العربي وضرورته فسيكون محل ترحيب واحتضان. وذلك يستدعي خطوات حقيقية وصادقة من قبل بغداد لاستعادة الدور العربي للدولة العراقية وتحجيم التغلغل الإيراني في مفاصل الدولة وقواها السياسية والدينية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات