التذرع بالعربي والدين

نحن أمام جيل قادم من عيالنا لا يتكلم اللغة العربية. ليست الفصحى هي المقصودة، ولا حتى القراءة والكتابة بالعربي؛ فهذه أصبحت مفقودة لدى شرائح واسعة من الجيل الحالي من شبابنا، وصلت إلى مستوى الجهل شبه الكامل بالفصحى ومفرداتها وأبسط قواعدها.

الدور الآن على اللهجة المحلية، بأسمائها وصورها ودلالاتها الثقافية والتاريخية. أصبح عندنا طابور طويل من الصغار لا ينطقون العربية، بلكنتها الإماراتية ولا غير الإماراتية. اللغة الأم السائلة على ألسنتهم والمستساغة لأسماعهم هي اللغة الإنجليزية. وبناء عليه فإن كل ما يشاهدونه في التلفاز والأجهزة الإلكترونية، وما يطالعونه من كتب ومجلات لغته الإنجليزية وحدها ودون منافس. وكل هذه المؤثرات هي التي تشكل العقول وتبني الثقافات وتركب الأفكار.


يحدث ذلك وسط حالة من الزهو والانبهار من الآباء والأمهات، الذين اختزلوا كل مستقبل أطفالهم في الوظيفة والخضوع لمزاعم تلبية حاجة السوق. هؤلاء الآباء والأمهات إما من أفراد جيل المدارس الخاصة، التي أنستهم لغتهم، ووضعتهم في صندوق آحادية اللسان، وشوشت أفكارهم، وهزت ثقتهم في لغتهم الأم وكل ما يتعلق بها؛ وإما من أولئك الذين فاتهم قطار «الرطنة»، فأرادوا أن يعوضوا نقصهم في أطفالهم.

فأدخلوهم في نفق الحجر على عقولهم الصغيرة، وجروهم إلى ليّ ألسنتهم؛ إما بواسطة الخادمات داخل البيت، أو عبر إلحاقهم بمدارس أجنبية خارج البيت. وتتجلى قمة الكوميديا في هذا المشهد عندما تواجهك أم أو أب في سوق أو مكان عام بزيهما الوطني وهما يخاطبان أطفالهما بلغة إنجليزية ركيكة على الطريقة الآسيوية في لفظ الكلمات العربية.


يقال: إن البيئة هي التي تربي. والبيئة اليوم لا تتوقف على البيت، بل إن دور البيت كوسيلة تواصل وتأثير تراجع قياساً بالمدرسة ووسائل التواصل الإلكترونية. المدرسة هي البيئة التي يقضي فيها الطفل أكثر من نصف يومه، وهي المزود الأكبر بالمعرفة بكل مجالاتها، وهي الموجه الأكثر تأثيراً لميول واهتمامات الطالب، والمشكّل الأهم لتوجهاته. وعندما تكون اللغة العربية غائبة في كل ذلك تصبح غير موجودة، لا كوسيلة تحدث وتواصل، ولا وسيلة تفكير وثقافة.


ولذلك لا يكفي أن نقول بأن هذه المدارس تعتمد مادتي اللغة والعربية والدين في مناهجها لنطمئن فيها على مستقبل ثقافة وهوية أطفالنا؛ فمادتان يتيمتان ومختصرتان وسط بيئة واسعة وجارفة بلسان أجنبي تصبحان غير مؤثرتين في بناء شخصية وطنية عربية متوازنة تتعلق بجذور مجتمعها وتمسك بزمام هويتها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات