حنين

أين ذهبت ألوان التلفزيون؟ عبارة قالها الزوج عندما عاد لمنزله ووجد زوجته غارقة في مشاهد آسرة لفيلم قديم من أيام زمان، حيث حلاوة الأسود والأبيض تطغي على ألوان القصص الحديثة وحكايات الدراما الطويلة. ولأن الزوج من محبي الأخبار، فقد طرح سؤاله، ليس بحثاً عن أحداث جديدة، بل مطالباً بحصته من المشاهدة.

المصريون يطلقون عليها (الزمن الجميل)، وكلما مرت أمام بصرنا صورة بلا ألوان، تمعنا فيها جيداً، علّنا نجد فيها شيئاً نعرفه أو مكاناً تغيرت ملامحه، أو أشخاصاً يرفلون بثياب صحتهم وشبابهم، وأجزم أن في ألبوماتنا العائلية، وعلى جدران منازلنا على الأقل صورة بالأبيض والأسود لوالدينا بثياب الزفاف، أو لأحد الأجداد بثياب فاخرة كانت دارجة تلك الأيام.

أيام الأبيض والأسود مليئة بالشجن، البعض منا يتعلق بها بشكل (نوستالجي)، لأنه يراها أفضل من زماننا، والبعض الأخر يرى فيها تعويضاً عن انقضاء الشباب، وفريق ثالث يجدها أكثر مصداقية من صور هذه الأيام، التي يمكن التلاعب فيها، وإخفاء عيوب الجسد، من كرش مترهلة أو ذقن مزدوجة، أو إضفاء بعض الشعر لمناطق التصحر في الرأس.

الأبيض والأسود صيغة عالمية، وليست عربية، هناك حنين في العالم لأيام التلفزيون عندما كان آرمسترونغ يخطو على القمر، كان الجميع يتحلقون حول الصندوق الخشبي يتابعون مشهداً واحداً، لكنهم اليوم لديهم العلب الصغيرة في جيوبهم وحقائبهم، يشاهدون فيها ما يرغبون، أو يتواصلون مع من يحبون.

لذلك، يظل الحنين إلى الأبيض والأسود، هو حنين إلى أيام الدفء الاجتماعي، حنين إلى حياة العائلة، حياة يعرفها الآباء جيداً، لأنها تعيد إليهم نسائم من ماض مفقود، يبحثون عنه في أفلام إسماعيل ياسين التي تضحكهم جميعاً، وليلى مراد التي تطربهم، وفريد شوقي الذي يفاخرون به ملاكمي هوليوود، كما يفاخرون بوسامة عمر الشريف، لذلك أرسلوه إلى الغرب، فأطاح بقلوب جميلات الشاشة الفضية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات