يحكى أيضاً..
أطال صبي من قرية نائية مكوثه في قن الدجاج يطعمها حبوب القمح، وكانت الدجاجات إذا فُتح الباب تركض إليه وتنقر أصابعه قبلما يستخرج القمح من كيسه، وإذا زار القن دون قمح كانت الدجاجات تقفز إلى أصابعه بحثاً عن حبات تنقرها، وكثيراً ما كان يغـادر القـن خوفـاً مـن مناقيرهـا.
مرت السنوات والصبي على هذه الحال كل يوم دجاج يقفز حوله ومناقير تهجم على أصابعه، حتى باتت دجاجات القن حلماً مزعجاً يقض مضجعه، فأصابه هلع من الدجاج، وعزف عن زيارة القن، وبات يعتقد أنه حبة قمح وأن دجاجـة مـا تلاحقـه تريـد ابتلاعـه.
حالة الخوف تطورت من مجرد حلم مزعج إلى الإحساس أن كل دجاجة تطارده لأنه حبة قمح، ولم تفلح محاولات إقناعه أن الدجاجة طائر جبان، وأن الشخص الخائف غالباً ما يشبّه بالدجاجة، وتحولت حالته إلى مرض نفسي قاده إلى مصحة مكث فيها عدة أشهر، عالجه فيها الأطباء وبثوا في عقله حقيقة (أنت إنسان ولست حبة قمح) حتى شفي تماماً.
وإذا سئُل من أنت: قال أنا إنسان، وإذا قيل له هل يخاف الإنسان من الدجاج: أجاب عاقلاً: لست حبة قمح حتى أخاف من الدجاج.
ثم اصطحبه أهله إلى القرية قافلين، بعدما أيقنوا خلاصه من علته، غير أنه ارتعد عندما شاهد، دجاجة فقالوا له لا تخف أنت إنسان ولست حبة قمح، أجاب مرعوباً أنا مقتنع تماماً أني إنسان ولكن من يقنع الدجاجة أني لست حبة قمح!
فعلاً من يقنع الجبناء أننا لسنا لقمة سائغة طالما قلوبنا تخلو من الشجاعة.