لنحيَ دون «واتساب»

ت + ت - الحجم الطبيعي

في سياق العمل اليومي، يخيل إلينا استحالة التخلي عن الـ «واتساب» ومواقع التواصل الاجتماعي، وأن الحياة لا يمكن أن تستمر إلا بهما، حتى أدمنا الولوج إليهما والاستغراق بتفاصيلهما.. نعم، فبقدر أهميتهما في التواصل مع الآخرين واستكشاف عوالمهم، بقدر ما أفسدتا ذاتنا وخصوصيتنا، ولا أدل على ذلك من حالة السكينة والاطمئنان اللتين يشعر بهما المرء بمجرد تخليه بضع ساعات عن الهاتف «مكرهاً لا بطلاً»، إما لانقطاع إشارة البث أو نفاد بطارية الجهاز.

نعم .. مع تحولنا إلى كائنات «واتسابية» أو «فيسبوكية»، إن صح التعبير، باتت الدعوة إلى العودة إلى الطبيعة والجلسة مع الذات والتفكر والتأمل، مطلباً ملحاً للانعتاق من عبودية التقنية، التي، وللأسف، أنستنا خصوصيات الأفراد ومتطلبات الأسرة وحقها، فأصبحت جزءاً من حياتنا.

لقد تحول الإنسان إلى مرسل ومستقبل في حواره مع الآخر عبر الأثير، وكل ذلك على حساب ذاته، إذ لا يمكن بحال من الأحوال أن ُتعبّر التقنية عن المشاعر التي تختلج صدورنا بشكل حقيقي، فغالباً ما نوحي للآخر بأننا سعداء، ونغلف أحاسيسنا بكلمات ورسومات تخبئ وراءها ما لا نريد إظهاره للناس.. إنه تعدٍ على جوهر وخرق لسر الإنسان.

إن الرسائل المتواصلة التي نتلقاها يومياً عبر الواتساب أو مواقع التواصل الاجتماعي، تشعرنا بأننا ملك للآخر، فكم من حديث حميم مع صديق أو محب انقطع بسببها، وكم من فكرة اخترقت بوصولها، وكم من تقاليد أسرية وآداب تم تجاهلها، والأهم من كل ذلك، أن «ظهرنا مكشوف» معها، فالزوجة تلاحقك وتسأل: مع من كنت تتواصل؟ والقريب: لماذا لم ترد على رسالتي؟ والصديق: كنت «أونلاين» ولم ترد علي.. إنه إحساس مستفز ولاهث جراء الرقيب والحسيب.

ولنا أن نتساءل.. هل العالم يحيا بهذه الطريقة، أم أننا نبالغ في تعاطينا مع التقنية؟ فلنعط أنفسنا نقاهة إلكترونية صحية، للإصغاء إلى ذاتنا ومحيطنا المجتمعي.. ولنحيَ بعض الوقت من دون واتساب.

طباعة Email