في مشهد شديد الدموية تحز داعش رقاب الناس أمام الكاميرا، وتعيد الكرة مرة بعد أخرى لتأكيد قسوة الرسالة التي توجهها للعالم، ولإضفاء مزيد من الرعب توجه الضحية رسالة إلى أميركا مليئة باللوم لأنها لم تنصف المظلومين، أو لأنها أوغرت صدر الأعداء على داعش.
الدرس المستفاد من صورة فصل الرأس عن الجسد هو النصف الفارغ من كاس يجب أن يراها العالم ليشعروا بالرعب اذا ذكرت كلمة داعش في معرض حديث، أو في كتابة عابرة، والهدف هو دب الرعب قبل معاينة الفعل، فما بالنا والرقبة تحز تلو الرقبة!
أفكار داعش التي جاءت من كهوف سحيقة تجد حواضنها الاجتماعية في الفقر والجهل، هناك يمكن للأفاقين أن يزرعوا سكاكينهم وأن ينشروا سموم تخلفهم، مستغلين حالة انعدام الوزن وفقدان البوصلة التي تعنون حياة الجهلاء، فتخدعهم بالرايات، وتثقل عليهم بالغضب، فيرتجف لصوتهم وصليل سيوفهم الصغار والكبار، وترتعد لمرآهم فرائص الآمنين.
قبل حز رقبة ستيفن سوتلوف، ومن قبله جيمس فولي، قطعت داعش رأس تمثال أبي العلاء المعري، ودمرت تمثال هارون الرشيد، ومن قبل دمرت طالبان تماثيل بوميان في أفغانستان، ومن قبل مدت يد الجهل مديتها إلى عنق نجيب محفوظ، وهي ذات اليد التي وضعت قطعة قماش سوداء على وجه أم كلثوم، والقائمة تطول وتطول.
كل هذا الفهم الضيق للحياة يظهر في الألفية الثالثة عندما بدأت البشرية تنتقل في قهر الأمراض من الوقاية إلى الشفاء، وبدأت حياة الانسان تصبح مسافاتها أقرب، وبدأت الأزرار تجعل حياتنا في متناول العيش الكريم، تظهر داعش وصمة عار في جبين البشرية وهي تدمر منظومة الحياة ليس بسكين نافدة ورجل مقنّع ضخم يحز الرقبة، بل بأفكار مسمومة لا تعيد مجتمع الغاب فحسب بل تتجاوزه نحو عالم لم يسمع به أحد أو تقع عليه عين.