لا يخلو حديث بين اثنين هذه الأيام دون كرة تنتقل من البيت إلى المقهى إلى العمل وصولاً إلى الاتصالات الهاتفية والمواقع الاجتماعية بأنواعها، إنها حرب تدور في كل بيت على وجه المعمورة، حرب شريفة تخاض بأخلاق الفرسان، أدواتها القوانين والأنظمة التي لا ترحم كل من يخالف ولا تشجع أياً من الفوضويين، والبطاقة الحمراء هي الفيصل.

عالم الكرة من العوالم القليلة التي يعود فيها الخصوم إلى ودهم السابق وكأن شيئاً لم يكن، حبذا لو كانت الحروب من تلك العوالم، لساد السلام وجه الأرض وانتفى القتل، وحقنت الدماء ولامتصت أرض الملاعب غضب البشر ولعادوا إلى مقاعدهم متصالحين لأن الرجولة تقتضي تقبل الخسارة بشرف كما هو الفوز بجدارة.

الحديث عن حروب الكرة يقود إلى جذور تلك اللعبة القادمة من عالم الحروب، حيث تقول الاسطورة التاريخية بعد الانتصار في الحروب، يتم ركل الجماجم البشرية للأعداء من مدخل القرية إلى ساحتها الكبيرة، ويحقق من يفعل ذلك بنجاح مناصب قيادية لها شأنها آنذاك.

تلك الفكرة تطورت من قيمتها التفاخرية الاستعراضية إلى لعبة تعوض ما سيفقده الرجال في ساحات الوغى، فقد نال تشارلز غوديير في عام 1836، براءة اختراع عن كرة من المطاط المقوى، تطورت مع مرور الزمن لتصبح لعبة شعبية يعرف الجميع قوانينها وأحكامها، وأفضل أنواعها يُصنع في باكستان تلك الدولة التي لا تتمتع فيها كرة القدم بشعبية الكريكت.

كرة القدم جاءت من فلسفة الاستبدال، حيث الحروب تتوقف، والألعاب التنافسية تتقدم، ولن يركل الجماجم أحداً بعد اليوم، لكن بين اختراع الكرة الحديثة ويومنا الحاضر مرت عشرات الحروب على كوكبنا بينها حربان كونيتان، وأخشى أن أقول حرباً ثالثة تقرع الأبواب، فلا تفتحوها.