من عالم الحنين تأتي صور الأبيض والأسود، ذلك العالم الذي ذكرياته كثيرة وبياضه ناصع، تأتي الصور المتحركة، صور شاخ أبطالها ولم تشخ طاقتها على الجذب والحنين، قلة من الناس لا تجذبهم صور الأبيض والأسود، وكثير منهم لا تستوقفهم الألوان، ربما في الصورة الأولى حياتهم الأولى ممزوجة بالحلم، وربما في الثانية حاضرهم الحزين أو مستقبلهم الغامض.
أتوقف كثيراً عند تلك المحطات التي تعرض أفلام الأبيض والأسود، ليس حباً بالقصة الساذجة أو الأداء الاستعراضي المبالغ فيه، وليس لعدد حسناوات الزمن الجميل ذوات القدود الهيفاء والخصور النحيلة، أو تلك الألحان الشجية التي لا تعلو فيها رنة وتر على صوت المغني، ولكن أتوقف عند لونين يحيلان كل المشهد إلى عالم من الضوء والظل، حيث قيمة الصورة في القدرة على تحويل لونين فقط إلى عالم من قوس قزح.
في ألبومات العائلة صور لراحلين أو مسنين بالأبيض والأسود لا تقل تأثيراً عن صورة نجوم السينما ذلك الزمان، الشعر اللامع المصقول بعناية، البدلة البيضاء، ربطة العنق المتدرجة، وردة في جيب السترة العلوي، شارب أنيق حُدد بعناية، وفي المقابل تبدو الفساتين التي ترتديها النساء كأنها جاءت تواً من بيوتات باريس الشهيرة، أو كأن النساء كن عارضات أزياء قبل وصولهن إلى الألبوم العائلي، بشفاههن الداكنة وشعورهن المصففة، أو نظرتهن التي أطاحت بالآباء والأجداد، ذات النظرة التي يحملها الأولاد والأحفاد في صفحة أخرى من الألبوم قبيل الذهاب إلى المدرسة.
ما تحمله صورة الأبيض والأسود من قوة إيجابية تكفي كي يتساءل المرء هل كانت الحياة أجمل، أبسط، أحلى، ربما. كانت الحياة أقل تعقيداً، حيث هاتف أسود كبير واحد في صالة المنزل، سيارة لجميع أفراد العائلة، مكتبة فيها كتب نافعة بدلاً من لاب توب شخصي، جرس يُقرع عند المساء بدلاً من الفيسبوك والأصدقاء الافتراضيين. وماذا بعد ساعدونا يا قراء.