في مثل هذه الأيام رحل عندليب الأغنية العربية عبدالحليم حافظ، صاحب ألطف وأعمق حنجرة غنائية رجالية عرفها الفن العربي، ولا يزال إرثه الغنائي حياً بين الناس كأنما يغني تواً، محولاً الكلمات البسيطة إلى معنى والنغمات الساحرة إلى حكاية شعبية يتناقلها جيل إثر جيل، ومنذ 37 سنة لم يتزحزح عبدالحليم حافظ عن تلك المكانة التي منحها له العشاق، ليس بوصفه مغنياً عاطفياً، بل لأنه مغنٍ قادر على العيش في كل الأزمنة.
من السهل تفسير ظاهرة الانتشار الغنائي خاصة هذه الأيام حيث يولد المغني بمعدل مطرب لكل مراهق، لكن ما هو تفسير القمم الغنائية التي تعيش في زمن جديد، أو التي تتجاوز زمنها وتعيش في المستقبل، قمم مثل أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ، حيث تسجل ألبوماتهم كل سنة مزيداً من الانتشار ويسمعها أبناء الأجيال الجديدة بذات الروح التي كان يستمع بها الآباء لأغنيات لا يخفت بريقها.
ظاهرة المغني الذي يمتد طيفه لجيل غير جيله قليلة في الحياة، بعضها يعيش بيننا صباح فخري وفيروز مثلاً اللذين امتد صوتهما من منتصف القرن الماضي إلى قرننا الحالي بطريقة متجددة وبأسلوب يتماشى مع العصر دون تنازل عن الصوت الذي لا تغطيه آلة كهربائية بزعيقها المزعج والذي يطلق عليه البعض آلة موسيقية.
بينما من حولنا ومن فوقنا ومن تحتنا ومن شبابيك الجيران وسيارات المساء تنطلق مئات الأصوات التي تتوالد من رحم بعضها البعض مخنوقة ينقصها الأوكسجين ويعوزها التدريب تزاحم هدير الشارع وكأنها تبيع الأسماك في سوق مزدحمة، تلك الأصوات تموت في مكانها، وإن قيض لها العيش فهي تعيش مشوهة لبعض الوقت، سرعان ما تتلاشى تحت الشمس.
صوت العندليب ظل حياً في الذاكرة العربية لأن طاقته على التجدد تعيش داخل كل أغنية وكأن كل مستمع يظن أن العندليب يعبر عنه، أليس من السعادة أن نجد شخصاً يعرف لواعج أنفسنا. فما بالنا عندما يكون هذا الشخص هو العندليب الأسمر.