في حديث المطر يحلو للمرء أن يرى من خلال تلك الخطوط الشفافة الصافية بعض ماضي ذكرياته، ذكريات تعود إلى مقاعد المدرسة حيث الطريق طويلة نحو حصة الصباح، وحيث كنت ذلك الصبي الذي يخوض البرك الصغيرة بحذاء طويل الساق متأخراً عن نشيد الصباح وسرعان ما أجد نفسي تحت مظلة تقودني نحو بوابة المدرسة.

يحلو للأطفال أن يعطوا المطر الكثير من فرحهم غير عابئين بحباته الباردة التي تبلل ثيابهم، أو بما يخلفه من آثار على أطرافهم، ولا تعنيهم نداءات الأم للعودة إلى الداخل، لقد أنساهم المطر واجبات المدرسة وأنساهم جوعهم ولولا رائحة شهية تنبعث من المطبخ لما تذكروا التحلق حول المائدة.

في أعماق كل منا طفل له حكاية مع المطر، غير أن المطر حكايته تختلف في تلك الأماكن التي تتباعد فيها مواسم الهطول وتطول فيها أشهر الجفاف، لذلك تبدو المقارنة مجحفة بين مطر يسقي الأرض العطشى وآخر لا ينقطع عن الهطول كما هو الحال في مدينة سياتل التي يستمر المطر فيها لثمانية أشهر بينما الاحتباس عنوان بارز لمنطقتنا، لذلك طعم المطر لدينا مختلف.

حكاية الأطفال مع المطر تترافق مع أناشيد تأتي إلى الذاكرة من مكان عميق ولأنه حدث استثنائي في الخليج كانت أهزوجة (طاح المطر طاح) التي تحمل الكثير من المعنى الوجداني، وتكتنز بالقيم ذات البعد الشعبي، لأن المطر معناه هنا يمتد ليتصل بالخير والمحبة والدعوة للتفاؤل فضلاً عن مداعبات الصغار لأقرانهم لأن المطر يطال الجميع وكلاً باسمه.

للمطر حكاية طويلة منذ الأزل، حكاية منعشة تتجدد كلما تجددت الفصول وتنتصر لأنها مليئة بالخير والمحبة والعطاء، حكاية نراها ونلمسها ونتذكرها طويلاً.