ضفاف الخور

لا شيء أكثر من الأمكنة يمكن أن يمنحك كل ذلك السحر والألق، حيث تعود بك الدروب إلى الماضي، وتجوب بك الواجهات في رحاب التاريخ. على ضفاف الخور وجدتُ نفسي مسكوناً بكل ذلك السحر الذي ينتابك في الأماكن الحميمة المشوبة بعبق الماضي ووهج الزمن. تنطبع التفاصيل في ذهني، وأنا أتوه في المكان الذي يحلو فيه الضياع، أستعيد المشهد في مكان ما من الذاكرة، الشوارعُ تحمل عبقاً منشطاً، وكأني أطالع رواية؛ فالحجر المرصوف مليء بالحكايات، وفي انتظام المدرجات، بين الأبنية وهي تهبط إلى البحر، ما يختزلُ  قصة المكان.

أرفع وجهي فتسحبني عتاقة الأبنية إلى ألق الستينيات والسبعينيات، تقدم هي الأخرى ثرثرة عن المكان؛ واجهة البنك البريطاني، بنك المشرق (بنك عمان سابقاً)، «برودا»، وفي الجهة المقابلة فندق «سانت جورج» ومكتبة «الرأس» العامة، وكذلك المحالّ المجاورة العتيقة التي ما زالت تغمس ذوائبها في ماء الخور.

أضيعُ أكثر لاكتشاف الأحياء على ضفافه، في الأحياء المقابلة له من جهة بر دبي، ما يشبه إلى حد بعيد، الحواري الضيقة في مدينة فاس القديمة. أعرجُ على الشندغة، حيث التاريخ بكل جمالياته ما زال يتحدث، تشكّله المباني الترابية، تكللها تيجان البراجيل؛ بيت الشيخ سعيد بن مكتوم، بيوت أهل دبي الأوائل مطلة على البحر، تناجي المراكب والشمس.

عبر ممر للمشاة، كسر جبروت الخور واختصر معابر الضفتين، أقطعُ المعبر سيراً على الأقدام تحت الماء إلى ديرة، كي أشاهد امتداد كل ذلك الألق، وأعود في عبّارة إلى الضفة الثانية، في رحلات أحب أن أكررها ألف مرة.

أجلس قليلاً كي أستعيد كل تلك الانطباعات التي يمنحني إياها الخور كلما زرته؛ قهوة هانئة في مقهى «بلي براجيل» كفيلة بذلك، فالمراكب العابرة، والنوارس التي تحوم قبالته، تكمل الصورة بكل أبعادها، عن حقب أخرى، أرتشفُ الماضي الذي يكمل شجنه الشجي شدو أم كلثوم تصدح من المقهى الشعبي المقابل للخور.. الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل، وما زلت رهين سحر اللحظة والمكان، أتنفسُ حكايات أناس مروا من هنا. إن الأمر يشبه إلى حد بعيد، اللحظات التي تعقب الانتهاء من رواية جميلة، وتلك الطاقة التي تمنحك التفاصيل الموشومة بروح المكان.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات