كلما نظرت إلى صورة عجائز فلسطين وهم يحملون مفاتيح بيوتهم، كان ينتابني شعور بالفخر والحيرة، الفخر لأنهم يملكون الأمل و الإصرار، والحيرة لأنهم يجددون الحلم كلما سقطت أو كلما تتالت المصائب، عجائز خَدّد الزمن بشرتهم، يرفعون مفاتيحهم التقليدية كعلامة نصر أو كحق صوته يعلو فوق الزمن.
صورة عجائز فلسطين ستعود للواجهة من جغرافية أخرى أشد قسوة، وأضنى مرارة، صورة السوريين الذين ألقوا نظرة الوداع على بيوتهم وهم يغادرونها وكأنهم ينظرون إليها من خلال خيوط الدمع، التي سالت قهراً و حزناً، تلك حال أمي التي قالت، في زفرة يأس، غادرت بيتي وكأني أراه لآخر مرة في حياتي.
الصورتان من فلسطين وسوريا لا تتشابهان في المعنى، ولكنهما تتقاطعان في النتيجة، شعب هجرته عصابات الهاغانا، وشعب هجّره أبناء وطنه، وكأن شاعر الأمس يراهم اليوم:
وظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَـةً
عَلَى المَرْءِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّـدِ
السوريون ضحايا ذوي القربي، حياتهم الآمنة كانت كذبة كبيرة تحت رماد، سرعان ما هبت ريح الأحقاد، فجمّرت النفوس، وأججت النار في قلوبهم، تلك النار التي لن تنطفئ قريباً، وتلك المفاتيح التي لن تدور في أقفالها، دليل على قسوة الزمن في حق الآباء والأمهات، في حق الذين اقتلعتهم الحرب من الطمأنينة، وأطاحت بهم في الفراغ.
مفاتيح البيوت، إطلالة الجارات، صوت الباعة، فيروز العاشقين، ليل السهارى، زمن يموت أمام أعيننا، وأمام أعيننا تذبل الأمهات، حالهن حال الوردة التي أُقتلعتْ من حديقتها، فذبلت في جام الغربة، لا هي شربت كأس الصبر، ولا العمر توقف عند الشرفات، كل شيء مضى، وكأن الزمن لن يعود ثانية إلى الوراء.