كنت طوال عمري، وما زلت، عاشقاً للكتاب، وهو عشق يضرب جذوره في الاقتناع بأن الكتاب ليس وعاءً للمعرفة فحسب، وإنما هو الأداة الأكثر قوة في معركة تخوضها أمتنا من أجل التنوير والتحديث والتقدم، والخروج من النفق المظلم لتناقضات العالم الثالث وانهياره المريع.
ما زلت أذكر، في صباي المبكر، كيف أن صديقاً لي دعاني لزيارته ليقدم لي ما وصفه بأنه «مفاجأة العمر»، وقد كانت كذلك حقاً، فقد وجدت مجموعة هائلة من كتب جد ذلك الصديق، ويومها رحت أقلب بيدين ترتجفان من فرط الانفعال، الطبعة البولاقية الأولى، التي لم يعد لها وجود تقريباً، من أعمال مذهلة، في مقدمتها مجلدات سيف بن ذي يزن وذات الهمة وتغريبة بني هلال وعنترة بن شداد العبسي.
كانت أوراق تلك الكتب توشك على التهشم، لفرط قدمها ولطول تخزينها في حقائب مغلقة، ومن هنا فقد مضيت أقلبها برفق بالغ، كما يمس عاشق وجنتي حبيبته، وقد قرأت هذه الكتب كلها، من دون أن تتهشم أو تتلف صفحة واحدة منها.
عندما مضت بي الأيام لدراسة العلوم السياسية في كلية الاقتصاد بجامعة القاهرة، كنت واحداً من الكثيرين الذين اكتشفوا كنوزاً مذهلة في القاعة الغربية بمكتبة الجامعة.
لكن الأيام لم تفلح في أن تزيل من ذاكرتي ذلك الأصيل الذي وضعت أمامي فيه نسخة من كتاب الدكتور طه حسين بعنوان «مستقبل الثقافة في مصر»، وبلغ من انفعالي بالكتاب أنني مضيت أحدث مؤلفه، كما لو كان يجلس إلى جواري، في آرائه التي اختلف فيها معه.
إذن، فمن الممكن لفتى في مقتبل العمر، أن يستحضرك أنت مؤلف الكتاب، عبر صفحاته من رحاب الموت، ويردك إلى الحياة. أليس كذلك؟ أليس هذا مبرراً إضافياً لعشق الكتاب؟