مع رحيل سليمان العيسى تكتمل دائرة الفراغ التي يخلفها الموت في نفوس البشر، لم يكن رحيلاً مفاجئاً أو اختطافاً أو قنصاً أو تعذيباً، كان الرجل في تسعينات عمره شيخاً طاعناً في السن حمل أمراض كبره لسنوات قبل أن يستقر به الحال على فراش المرض في دمشق.
عندما مات سليمان العيسى يوم السبت الماضي ارتفعت أصوات كثيرة تنال من قيمته الشعرية وتطعن في إنسانيته باعتباره أحد مروجي فكرة البعث العربي التي تحولت فيما بعد إلى حزب سياسي وصل إلى السلطة في سوريا والعراق، وكان آنذاك طالباً في ثانوية التجهيز الأولى بدمشق.
وهكذا تم فرز سليمان العيسى إلى خانة النظام الحالي في سوريا رغم المسافة التي فصلتهما لسنوات، حيث لم تكن حياته ميسرة بالشكل الذي يعتقدها منتقدوه فقد أمضى سنوات في اليمن والجزائر وقبلها سنوات أخرى في العراق، ولم يكن فرداً في حكومة أو شرطياً في مخفر، كان شاعراً رأى في العروبة حلمه فكتبه عبر آلاف القصائد التي تثير الحماسة والعنفوان.
الذين ينالون من قيمة سليمان العيسى اليوم هم الذين تربوا على أشعاره، تلك الأشعار التي زينت كتب المرحلة الابتدائية خاصة ببعدها الاجتماعي وبما تحمله من دلالات وجدانية لا تروج للقتل والدمار، قصائد كتبت على قيم الخير والحب، فيها الأم والأب والراعي والنجار والمعلم والجندي، وكل ما يغذي حلم الطفل بوطن آمن وبمستقبل أجمل.
ما يؤسف له حقاً ذلك الخلط بين قيمة الشعر وبين أوهام المراهقة السياسية، تلك المراهقة الجاهلة التي تجرم سليمان العيسى لأنه كتب عن الطفولة والوطن، ولكنها تصفق لجبهة النصرة التي قطعت رأس تمثال المعري.
يا أمة ضحكت من جهلها الأمم.